محمد بن السري بن سهل ( ابن سراج )

16

الأصول في النحو

وزعم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني : أن القدر الذي يدعو به الإنسان غيره إلى التّواضع يثبت توقيفا وما عدا ذلك يجوز أن يثبت بكل واحد من الطريقين . وقال القاضي أبو بكر : يجوز أن يثبت توقيفا ويجوز أن يثبت اصطلاحا ويجوز أن يثبت بعضه توفيقا وبعضه اصطلاحا والكلّ ممكن . وعمدة القاضي : أن الممكن هو الذي لو قدّر موجودا لم يعرض لوجوده محال ، ويعلم أن هذه الوجوه لو قدّرت لم يعرض من وجودها محال فوجب قطع القول بإمكانها . وعمدة المعتزلة : أن اللغات لا تدلّ على مدلولاتها كالدلالة العقلية ، ولهذا المعنى يجوز اختلافها ولو ثبتت توقيفا من جهة اللّه تعالى لكان ينبغي أن يخلق اللّه العلم بالصّيغة ، ثم يخلق العلم بالمدلول ، ثم يخلق لنا العلم بجعل الصيغة دليلا على ذلك المدلول ، ولو خلق لنا العلم بصفاته لجاز أن يخلق لنا العلم بذاته ، ولو خلق لنا العلم بذاته بطل التكليف وبطلت المحنة . قلنا : هذا بناء على أصل فاسد فإنا نقول : يجوز أن يخلق اللّه لنا العلم بذاته ضرورة ، وهذه المسألة فرع ذلك الأصل . وعمدة الأستاذ أبي إسحاق الإسفرائيني : أن القدر الذي يدعو به الإنسان غيره إلى التواضع لو ثبت اصطلاحا لافتقر إلى اصطلاح آخر يتقدّمه وهكذا فيتسلسل إلى ما لا نهاية له . قلنا : هذا باطل فإن الإنسان يمكنه أن يفهم غيره معاني الأسامي كالطفل ينشأ غير عالم بمعاني الألفاظ ، ثم يتعلّمها من الأبوين من غير تقدّم اصطلاح . وعمدة من قال : إنها تثبت توقيفا قوله تعالى : وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ كُلَّها . وهذا لا حجّة فيه من جهة القطع فإنه عموم والعموم ظاهر في الاستغراق وليس بنصّ . قال القاضي : أما الجواز فثابت من جهة القطع بالدليل الذي قدّمته ، وأما كيفية الوقوع فأنا متوقف فإن دلّ دليل من السّمع على ذلك ثبت به .