علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي

344

الممتع في التصريف

وأظهرت مع الهمزة والهاء والعين والحاء ، لبعد ما بينها وبينهنّ ، فلم تغيّر النون بإدغام ، ولا بشبهه الذي هو الإخفاء . وأيضا فإنّ حروف الحلق أشدّ علاجا ، وأصعب إخراجا ، وأحوج إلى تمكين آلة الصوت من غيرها . فإخراجها لذلك يحتاج إلى اعتمادات تكون في اللسان ، والنون الساكنة الخفيّة مخرجها من الخيشوم ، فلا علاج في إخراجها ولا اعتماد . فإذا كانت قبل حروف الحلق تعذّر النّطق بحروف الحلق ، لأنّ النون تستدعي ترك الاعتماد ، وحروف الحلق تطلب الاعتماد . فإذا بيّنت النون قبلها أمكن إخراجها ، لأنّ النون البيّنة مخرجها من اللسان ، فهي أيضا تطلب الاعتماد كسائر حروف اللسان . وأما جواز خفائها وإظهارها مع الخاء والغين فلأنهما من أقرب حروف الحلق إلى الفم . فمن أجراهما مجرى ما تقدّمهما من حروف الحلق أظهر النون معهما . ومن أجراهما مجرى ما يليهما من حروف الفم - وهو القاف والكاف - أخفى النون معهما كما يخفيها مع القاف والكاف . وأما إخفاؤها مع الخمسة عشر حرفا من حروف الفم الباقية فلأنها اشتركت معها في كونها من حروف الفم . وأيضا فإنها - وإن كانت من حروف اللسان - فبالغنّة التي فيها ، التي خالطت الخياشيم ، اتّصلت بجميع حروف الفم . فلمّا أشبهتها فيما ذكرنا ، وكانت قد أدغمت في بعض حروف الفم ، غيّروها بالإخفاء معها كما غيّروها بالإدغام والقلب مع حروف « ويرمل » من حروف الفم ، لأنّ الإخفاء شبيه بالإدغام ، ولم يغيّروها بالإدغام ، لأنهم أرادوا أن يفرّقوا بين ما يقاربها من حروف الفم في المخرج - كاللّام والراء - وفي الصفة - كالميم والياء والواو - وبين ما ليس كذلك . فجعلوا التغيير الأكثر للأقرب ، والتغيير الأقلّ للأبعد . ولم يسمع من كلامهم تسكين النون المتحرّكة ، إذا جاءت قبل الحروف التي تخفى معها ، كما تسكّن مع الحروف التي تدغم معها . فلم يقولوا « ختن سليمان » كما قالوا « ختن مّوسى » . لكن إن جاء ذلك لم يستنكر ، لأنّ الإخفاء نوع من الإدغام . ولا يدغم في النون شيء إلّا اللّام . وقد تقدّم ذلك في فصل اللّام . وأما الراء فلا تدغم في شيء ، لأن فيها تكريرا ؛ ألا ترى أنك إذا نطقت بها تكرّرت في النطق . فلو أدغمتها فيما يقرب منها - وهو اللّام والنون - لأذهب الإدغام ذلك الفضل الذي فيها من التكرير ، لأنها تصير من جنس ما تدغم فيه ، وما تدغم فيه ليس فيه تكرير . فلمّا كان الإدغام يفضي إلى انتهاكها بإذهاب ما فيها من التكرار لم يجز . وقد روي إدغامها في اللّام ، وسأذكر وجه ذلك في إدغام القرآن إن شاء اللّه تعالى .