علي بن مؤمن ابن عصفور الحضرمي الاشبيلي
280
الممتع في التصريف
فأما قوله : إذا ما المرء ضمّ ، ولم يكلّم * ولم يك سمعه إلّا دعايا « 1 » وسائر أبيات هذه القصيدة فضرووة ، ولو يسمع مثله في غير هذا الموضع . ووجهه أنه أجرى ألف الإطلاق مجرى تاء التأنيث التي بنيت عليها الكلمة . فكما لم تقلب الواو ولا الياء في مثل « إداوة » و « نهاية » همزة فكذلك لم تقلب في « دعايا » وأخواته . فإن كان الساكن ياء أو واوا أدغمت فيما بعده . فإن كان الساكن مخالفا للّام ، أعني : بأن يكون أحدهما واوا والآخر ياء ، قلبت الواو ياء تقدّمت أو تأخرت ، وأدغمت الياء في الياء نحو « بغيّ » و « سريّ » . أصلهما « بغوي » و « سريو » ، فقلبت الواو ياء وأدغمت الياء في الياء ، ثم قلبت الضمّة التي في العين من « بغي » كسرة ، لتصحّ الياء . والدليل على أنّ « بغيّا » : « فعول » كونه للمؤنث بغير تاء . قال اللّه تعالى : وَما كانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا [ مريم : 28 ] ، ولو كان « بغيّ » : « فعيل » لكان بالتاء ك « ظريفة » . فإن كان الساكن موافقا للّام أدغمت من غير قلب ، وذلك نحو « عدوّ » و « وليّ » . وقد حكي القلب في الواو ، وهو قليل ، قالوا « أرض مسنيّة » من « يسنوها المطر » ، وقالوا « معديّ » من « عدوت » . قال : وقد علمت عرسي ملكية أنّني * أنا اللّيث ، معديّا عليه ، وعاديا « 2 » وإنما جاز القلب ، على قلّته ، لكون الواو متطرّفة لم يفصل بينها وبين الضمّة إلّا حاجز غير حصين ، وهو الواو الساكنة الزائدة الخفيّة بالإدغام . فكما قلبت الواو ياء إذا تطرّفت وقبلها الضمّة . وتقلب الضمّة التي قبلها كسرة ، فكذلك تقلب هنا . وزعم الفرّاء أنه إنما جاز في « مسنيّة » و « معديّ » لأنهما مبنيّان على « سني » و « عدي » فكما قلبت الواو ياء في الفعل فكذلك فيما بني عليه . وهذا باطل ، لأنهم قد فعلوا ذلك في غير اسم المفعول فقالوا « عتا عتيّا » . قال اللّه تعالى : وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا [ مريم : 8 ] والمصدر ليس مبنيّا على فعل المفعول فدلّ ذلك على أنّ العلّة فيه ما ذكرنا .
--> ( 1 ) البيت من البحر الوافر ، وهو للمستوغر بن ربيعة في حماسة البحتري ص 203 ، وطبقات فحول الشعراء لابن سلام ص 34 ، وللأعصر بن سعد بن قيس بن غيلان في لسان العرب لابن منظور ، مادة ( حمى ) . ( 2 ) البيت من البحر الطويل ، وهو لعبد يغوث بن وقاص الحارثي في خزانة الأدب للبغدادي 2 / 101 ، وسر صناعة الإعراب لابن جني 2 / 691 ، وشرح أبيات سيبويه للسيرافي 2 / 433 ، وشرح اختيارات المفضل للخطيب التبريزي ص 771 ، وشرح التصريح للشيخ خالد الأزهري 2 / 382 ، والكتاب لسيبويه 4 / 385 .