فخر الدين قباوه
22
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر
الأعراب . وقد استطاعوا ، في غضون القرنين الأول والثاني ، أن يستوعبوا أكبر قدر ممكن ، ويدوّنوه لأنفسهم وللأجيال المقبلة . ولما شبت الدراسة في بغداد كان جمهور اللغة محفوظا في صدور الرواة وبين طيات الكتب ، وجاهزا للتحليل والدراسة والتقعيد . وهذا يعني أن المواد الموضوعية للعربية الفصحى أو الفصيحة أو الصحيحة قد استنفدت ، مع بعض العناصر الأخرى ، وليس للأجيال الآتية مورد جديد منها ، يقيمون عليه رواية أو تدوينا أو نتائج مبتكرة . فلا بد ، والحالة هذه ، من الرجوع إلى المواد المستوفاة من قبل بالبحث والدراسة والتقويم ، لاختيار مستويات الفصاحة والصحة والضعف والهجنة ، وتمييز كل منها ، وإعطائه القيمة المناسبة . 2 - تأسيس العلوم : كان رواد الدراسة اللغوية في المدينتين قد تخطّوا ، في خواتيم القرن الثاني ، بعلومهم مراحل الإنشاء والتأسيس ، فوضعوا أصول الإعراب والصرف واللغة . . . وأتبعوها بالمسائل الفرعية الواقعية والمحتملة . وبذلك لم يبق للدارسين ببغداد مجال للتأسيس والتأصيل ، وتحتم عليهم أن يتناولوا تلك الأصول والفروع بالنظر والاختبار ، لا بالتنمية والابتكار ، لتمييز الحق والصواب من الباطل والخطل . 3 - وفرة المذاهب : تولد عن النشاط اللغوي في المدينتين ، وما رافقه من إخلاص ومنافسة واختلاف في فهم الأصول واتخاذ الوسائل ، آراء وأقوال للعلماء غزيرة متكاثرة انتهت إلى التوضع في مذاهب ، بعضها جماعي ينتظم زمرة من العلماء ، وبعضها فردي يتوزع بين الباحثين منفردين . وقد تراكم فوق هذه المذاهب استطالات وافرة ، وضعت بين أيدي البغداديين تراثا