فخر الدين قباوه

23

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر

ضخما من أصول المذاهب وفروعها وأحكامها ، مما كاد يسد مسالك القول والاجتهاد . فكان عليهم أن يضعوا هذا التراث في مختبر البحث والدراسة لتقويمه بالأدلة العلمية الموضوعية ، وتبني ما هو أقرب إلى الصحة والسداد ، والإعراض عمّا هو بادي الضعف والفساد . 4 - الروح العلمية : شهدت بغداد ، بعيد استقرار الخلافة العباسية ، نهضة علمية زاهرة ، مهّد لها الرشيد ، ورسّخ جذورها المأمون وخلفاؤه . وقد برز في هذه النهضة اهتمام بالغ بالعلوم العملية ، كالفيزياء والكيمياء والطّب والصيدلة والهندسة والحيل والفلك والرياضيات ، فكان أن ساد الحسّ التجريبي في ميادين الفكر الإسلامي ، وأصبح له سلطة تتشعب في سائر العلوم ، وتتحكم في أصولها ومناهجها وغاياتها . ثم إن العلوم الإسلامية كانت قد تفرعت آنذاك ، وجدّت لها مظاهر من البحث والحجاج والتحقيق ، في ميادين علوم القرآن والحديث ، والأصول والفقه ، والمذاهب الدينية والسياسية والفلسفية والاجتماعية . ومعنى هذا أن تتذرع الدراسات النظرية بوسائل تناسب المناخ الفكري الذي تتنفس فيه . فكان لا بد من اللجوء ، في الميدان اللغوي ، إلى الاختبار : اختبار المادة اللغوية ، ومذاهب العلماء في فهمها ودراستها ، والمصنفات التي ضمتها أو عالجتها من زواياها المختلفة ، والآراء التي توزعتها تلك الميادين . ولذا ظهرت للروح العلمية التجريبية آثار في مسيرة دراسة اللغة ببغداد ، فأصبح لدى الباحثين نزوع إلى تقويم ما خلّده الأسلاف والمعاصرون في المدينتين ، وشرعوا يختبرون ذلك التراث بالوسائل العلمية المناسبة . وقد كان لكل مسألة أصول ، ولكل قضية حجج ، ولكل حكم أدلة ، ولكل نص قيمة وإسناد .