فخر الدين قباوه

13

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر

والاختيارات والقصائد ، حين وضع المنهج التكاملي لتفسير الأشعار ، ونفّذه في عديد من المؤلفات . وأما البحث الثالث فانصرف إلى موسيقى الشعر العربي ، ليعرض ما كان عليه قدماء العروضيين ، من خلاف في حدود الضوابط الفنية له . فقد وضع الخليل وصفا دقيقا لما كان في عهده من النّتاج الشعري ، وفتح الباب للتجديد الغني في إطار القوانين الأساسية ، بينما اقتصر بعض العلماء على البحور القديمة . ولكن صوت هؤلاء غاب في طيات التاريخ ، واستطاع أنصار الخليل أن يولدوا بحورا وتفريعات مؤصلة ، غذاها الشعراء بإنتاج إيجابي ، يجدد للفن الشعري حيويته وخصوبته ، بفنون وألوان من البحور والقوافي ، حتى أيامنا هذه . كان هذا كله في حدود الضوابط العلمية لقواعد الشعر العربي ، فحقق استمرار النمو والتجدد ، وحفظ لوجه العروبة صفاءه وأصالته . غير أن النزعات التقليدية ، لغزو الفنون الأجنبية ، استمرأت الخروج على تلك القواعد ، وأرادت أن يكون للنثر الفني المنغم نسب شعري ، وإن خلا من الإيقاع أو المقاطع المقفاة . وبذلك تدفقت أمواج من التهجين والتلقيح الاصطناعي ، فمنها ما أسقط قبل تمامه ، ومنها ما وئد في مهده ، ومنها ما ارتدّ إلى حظيرة العروبة يتلمس سبل النجاة . وبقي للوجه الخليلي صفاؤه وسيادته . تناولت هذه الجوانب التأصيلية كلها ، باستعراض سريع للمراحل التي مرّت بها ، في تاريخ العروبة ، مستعينا بالأدلة والنماذج العملية ، من كتب وأقوال ونصوص شعرية ، موثقة بالمصادر والمراجع المعتبرة . وبهذا استطعت البيان أن لعلوم الأجداد أصولا منهجية واسعة النطاق ، تستوعب التنمية والتجدد ، وتسعف الباحثين والأدباء في تحقيق تجاربهم وتطلعاتهم ، وتجاري متطلبات الحياة على اختلاف المكان والزمان . وهذا منتهى ما يصبو إليه كل علم أو فن في الوجود .