فخر الدين قباوه

10

تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر

فهذه شذرات مما نقل عن القرن الأول ، لها نظائر غفيرة جدا منثورة في مطاوي التراث ، تؤكد التأصيل لأبعاد كثيرة من علوم البلاغة العربية آنذاك . وقد استمد منها رجالات القرون التالية مسيرتهم ، لبناء صرح شامخ في الوجود . ولسنا نغالي ، إذا زعمنا أن لموسيقى الشعر آثارا تاريخية ، قبل مؤسس علمي العروض والقوافي ، الخليل بن أحمد الفراهيدي . فقد كان قدماء العرب يصطنعون عبارات مسجوعة ، للتّغني والإنشاد في مواقف العبادات والرحيل والعمل الجماعي . ثم تلبّست تلك العبارات ثوبا من الإيقاع الغنائي ، توضّع فيما يشبه الرجز ، وامتدت إليه قدرات المبدعين من رجالات البيان ، فصبغته بألوان متفرقة من الموسيقى ، تفرعت فيما نعرفه اليوم من تقاليد البحور والقوافي . ومن ثمّ وردت عبارات صريحة ، تشعر بتتبع العرب في الجاهلية لتلك الميادين ، وتوزيعها في شعب وزمر تمثل الألوان الإيقاعية المنتظمة . هذا الوليد بن المغيرة ، يذكر أن للشعر ضروبا ، منها الرجز والهزج والقريض والمقبوض والمبسوط « 1 » . وهي ضروب حاضرة في سلائق الشعراء ، يعتمدونها فيما ينتجون من فنون الفخر والهجاء والغزل والمديح والرثاء . . . وقائمة أيضا في أذهان المفكرين ، يقيسون بها ما يرد عليهم من القول ، ليميّزوا ما هو شعر من غيره . فعند ما سمع أبو ذر الغفاري آيات القرآن ، وزعم المشركين أنها شعر من قول البشر ، رجع إلى « أقراء الشعر » أي : أنواعه وقوافيه « 2 » ، يعارضها بالنصوص القرآنية ، فإذا هو يرى صدق الرسالة ، والكذب في ادّعاء المشركين ، لأن كلام اللّه لا يلتئم على لسان أحد ، كما قال . وضروب القوافي أيضا كان لها حضور في أذواق الناس ، حتى إنه لما أقوى النابغة في شعره سدّدوه بالتغني ، ليقوّم البيت الذي يخلّ

--> ( 1 ) النهاية في غريب الحديث ( رجز ) وسيرة ابن هشام 2 / 289 . ( 2 ) اللسان والتاج ( قرأ ) .