فخر الدين قباوه
11
تطور مشكلة الفصاحة والتحليل البلاغي وموسيقى الشعر
بأصول الصناعة الفنية « 1 » . والخليل نفسه استمد نظرياته العروضية ، من صنيع المؤدبين في تعليم الصبيان إيقاع الأشعار ، كما ذكر هو نفسه غير مرة « 2 » . ومن مجمل هذه الإضاءات المتكاثرة ، تأسست العلوم بأصولها وفروعها ومصطلحاتها ، وارتفع في صفحات التاريخ الإسلامي بنيان شامخ لها ، يلازم القواعد والضوابط المرعية ، ويضيف اجتهادات مباركة تنمي الميادين بما يناسب العصور والبيئات المختلفة . وما زالت مسيرة التّفتّح تسلك طريق النماء ، في عصرنا هذا ، على الرغم مما يثيره أعداء العربية ، والأوصياء المستبدون بالتحكم والرفض لكل توليد أصيل . وقد رأيت ، في تلك الإثارات المتضاربة ، ما يدفع الباحث إلى تعميق الأصالة من العلوم العربية ، للفصل بين الطرفين المتنازعين ، وبيان حيوية تلك العلوم ، وقدراتها على استيعاب الحاجات المتجددة ، في كل زمان ومكان . بدأت بمشكلة الفصاحة ، لما لها من أهمية في صيانة قوام اللغة ، فعرضت ما كان يهتم به علماء القرن الثاني ، من تحقيق وتوثيق للتعبير والدرس اللغوي . ثم بسطت العوامل التي حملتهم على ذلك ، فكان منها استقرار موارد البحث العلمي ، وظهور النزعة إلى تأسيس علوم جديدة منتجة ، وتشعب المذاهب والتوجهات المختلفة ، وسيطرة روح العلم الداعية إلى التجرد والموضوعية . وكان ظهور ذلك في البصرة والكوفة ، ثم انتقل إلى بغداد مع بعض العلماء ، فتأثر به الزائرون والدارسون للنتاج البغدادي الجديد . وإذ ذاك صدر عنه نزعات التقويم للمادة اللغوية في صناعة المعاجم ، ولأساليب اللفظ والتعبير والأداء ، والرصد للحن
--> ( 1 ) الموشح ص 45 - 48 . ( 2 ) انظر العروض والقافية لمحمد العلمي ص 36 - 44 .