عثمان بن جني ( ابن جني )
54
سر صناعة الإعراب
واعلم أن هذه اللام لا تدخل على اسم إنّ كما ذكرنا ، إلا أن يفصل بينها وبينه فتباعد منه ، وذلك نحو قوله عز اسمه : إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً ( البقرة : 248 ) « 1 » ، و إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ ( الأنعام : 99 ) « 2 » ، و إِنَّ فِي هذا لَبَلاغاً « 3 » ( الأنبياء : 106 ) . فهذا دخول اللام على خبر إنّ وذكر الضرورة التي دعت إلى تأخرها ، ولست أعني بهذه الضرورة أنها جارية مجرى ضرورة الشعر ، كيف ذلك والقرآن وفصيح الكلام قد جاءا بذلك ، ولكن هذا يجري مجرى الضرورة التي دعت إلى إعلال فاء يعد ويزن ، وعين باع وقام ، ولام غزا ورمى ، وغير ذلك من العلل التي تلحق فتؤثر ، وهي مع ذلك مطردة في الاستعمال متقبّلة في القياس . وإذا كانت إنّ مشددة فأنت في إدخال اللام في الخبر وتركها مخيّر ، تقول : إنّ زيدا قائم ، وإنّ زيدا لقائم ، فإن خففت إنّ لزمت اللام ، وذلك قولك : إن زيد لقائم ، و إِنْ كُلُّ نَفْسٍ لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ ( الطارق : 4 ) « 4 » فعلوا ذلك لئلا تلتبس « إن » المؤكدة ب « إن » النافية في قوله عز وجل : إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ ( الملك : 20 ) « 5 » فهذه بمعنى ما .
--> ( 1 ) إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً أسلوب توكيد . آية : علامة ، وأمارة وعبرة . والشاهد فيه دخول اللام على اسم إن بعد أن فصل بينها وبين اسمها بفاصل . ( 2 ) إِنَّ فِي ذلِكُمْ لَآياتٍ أسلوب إنشائي في صورة توكيد . الشاهد في الآية دخول اللام أيضا على اسم إن بعد أن تباعد بينها وبين اسمها . ( 3 ) بلاغا : ما يتوصل به إلى الغاية ، والبلاغ بيان يذاع في رسالة ونحوها . والأسلوب إنشائي في صورة توكيد غرضه إعطاء الكلام قوة وتأثيرا في النفس . والشاهد في الآية أيضا دخول اللام على اسم إن بعد أن فصل بينها وبين اسمها . ( 4 ) قرأها ابن كثير وغيره ( لما ) خفيفة ، وقرأ عاصم وغيره ( لما ) مشددة . والشاهد فيها وجوب إدخال اللام على الخبر . ( 5 ) غرور : غفلة ، والغرور كل ما غر الإنسان من مال أو جاه أو نحوه . والأسلوب إنشائي في صورة توكيد . الشاهد فيها أن ( إن ) جاءت نافية بمعنى ما ، ولذلك لا يجوز إدخال اللام على خبرها .