عثمان بن جني ( ابن جني )
384
سر صناعة الإعراب
وقرأت على أبي علي بإسناده عن أبي عبيدة « قال : سمعت أبا عمرو ابن العلاء يقول : لم يتسن ( البقرة : 259 ) « 1 » : لم يتغير ، هو من قوله تعالى : مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ ( الحجر : 26 ) أي : متغيّر . فقلت له : لم يتسن من ذوات الياء ، و مَسْنُونٍ من ذوات التضعيف ، فقال : هو مثل « تظنّيت » وهو من الظنّ » . وأصله على هذا القول « لم يتسنّن » ثم قلبت النون الآخرة ياء هربا من التضعيف ، فصار « يتسنّي » ثم أبدلت الياء ألفا ، فصار « يتسنّى » ثم حذفت الألف للجزم ، فصار لم يتسن . وقالوا : « إنسان » و « أناسيّ » و « ظربان » و « ظرابيّ » ، فالياء الثانية بدل من نون الواحد . إبدال الياء من اللام وهو في قولهم : أمليت الكتاب ، إنما أصله « أمللت » فأبدلت اللام الآخرة ياء هربا من التضعيف ، وقد جاء القرآن باللغتين جميعا ، قال تعالى : فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ( الفرقان : 5 ) « 2 » ، وقال عز اسمه : وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ ( البقرة : 282 ) « 3 » . إبدال الياء من الصاد أخبرنا أبو علي بإسناده عن يعقوب ، قال : قال اللحياني : قصّيت أظفاري في معنى قصّصتها ، فهذا مثل « تظنّيت » أبدلت الصاد الثالثة ياء كراهية للتضعيف . وقد يجوز عندي أن يكون « قصّيت » : « فعّلت » من أقاصي الشيء ؛ لأن أقاصيه أطرافه ، والمأخوذ من الأظفار إنما هو أطرافها وأقاصيها ، فلا يكون في هذا بدل .
--> ( 1 ) لم يتسن : هذه قراءة حمزة والكسائي في الوصل فهما يحذفان الهاء وبقية السبعة يقرؤون لَمْ يَتَسَنَّهْ بإثبات الهاء في الوصل . انظر القراءات السبع ( ص 189 ) . ( 2 ) فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا : الشاهد فيه ( تملى ) حيث أبدلت الياء من اللام تخفيفا والأصل ( تملل ) . إعرابه : فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضم المقدر . ( 3 ) وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ : الشاهد فيه ( ليملل ) حيث جاء الفعل بإثبات اللام دون إبدال . إعرابه : فعل مضارع مجزوم وعلامة جزمه السكون .