عثمان بن جني ( ابن جني )

37

سر صناعة الإعراب

وأما المعنى فلأن الإضافة تكسب التعريف والتخصيص ، والصفة مشابهة للفعل ، والفعل لا يكون إلا نكرة ، فأما الذي فتعرّفه بالصلة دون اللام على ما قدمنا . فإن قلت : فإذا كانت الصفة مشابهة للفعل ، والفعل لا يكون معرفة أبدا ، فما بالك تقول : مررت بزيد أخي عمرو ؛ فتصف بأخي عمرو وهو مضاف إضافة محضة إلى اسم علم ؟ فالجواب : أن قولنا : مررت بزيد أخي عمرو ، ونظرت إلى هند بنت محمد ، ونحوه ليست بصفات محضة ، وإنما هي في الحقيقة عطف بيان ، ولكن النحويين أطلقوا عليها الوصف لأنها تفيد ما تفيد الأوصاف ، ألا ترى أن معنى مررت بزيد أخي عمرو كمعنى مررت بزيد المعروف بأخوّة عمرو ، وكذلك مررت بهند بنت محمد ، إنما معناه مررت بهند المشهورة ، ببنوّة محمد ، فلما كان المعنى معنى الصفات جاز أن يطلق عليها أنها صفات اتساعا لا حقيقة ، وكيف يكون ذلك وقد أجمعوا أنه لا تكون الصفة معرفة إلا باللام . ونظير هذا الإطلاق في الوصف في هذا الموضع قولهم في مررت بهذا الرجل : إن الرجل صفة لهذا ، وليس في الحقيقة بصفة ، لأن الصفة لا بد من أن تكون مأخوذة من فعل أو راجعة إلى معنى الفعل ، وليس الرجل ونحوه مما بينه وبين الفعل نسبة ، ولكنه لما كان « هذا » و « الرجل » في هذا الموضع كالشئ الواحد ، والثاني منهما يفيد الأول بيانا وإيضاحا ، أشبه ذلك حال الصفة الصريحة نحو مررت بزيد الكريم ، ونظرت إلى محمد العاقل ، فجاز لهم أن يسمّوا الرجل ونحوه وصفا مجازا لا حقيقة ، فلأجل ما شرحناه من حال أيّ ما عدلوا عنها لتضمّنها معنى الإضافة إلى الذي لأنه ليس فيه معنى إضافة ، ولا ما ينافي الصفة لفظا ولا معنى . وكذلك اللاتي واللائي لأنهما بوزن القاضي والداعي ، واللاء بوزن قولهم : رجل مال ونال ، ويوم راح « 1 » ، وكبش صاف ، والألى بوزن الحطم « 2 » ، واللّبد « 3 » ،

--> ( 1 ) يوم راح : أي يوم شديد الريح . القاموس المحيط ( 1 / 224 ) . ( 2 ) الحطم : رجل حطم : أي عسوف عنيف . مادة ( ح ط م ) . لسان العرب ( 12 / 139 ) . ( 3 ) اللبد : الرجل الذي يقيم بالمكان ويلزق به . مادة ( ل ب د ) ، وهو كناية عن تقاعسه عن طلب الرزق أو السعي . لسان العرب ( 3 / 385 ) .