عثمان بن جني ( ابن جني )
38
سر صناعة الإعراب
واللواتي بوزن الجواري والغواني جمع غانية ، فاعرف هذه النكت ، فقد استودعتها ما لا يكاد كتاب ينطوي عليه للطفه . ولأجل ما ذكرناه من أن الذي إنما وقع في الكلام وصفا لا محالة ما وجب عندهم أن يعود ضميره عليه أبدا بلفظ الغيبة لا الحضور ، وذلك قولك : أنت الذي قام أخوه ، ولا تقول : « أخوك » إلا في ضرورة شعر ، وأنا الذي قام صاحبه ، ولا تقول « صاحبي » إلا ضرورة ، وإنما ذلك لأن التقدير : أنا الرجل الذي قام صاحبه ، وأنت الرجل الذي قام أخوه ، كما قال طرفة « 1 » : أنا الرّجل الضّرب الذي تعرفونه * خشاش كرأس الحيّة المتوقّد « 2 » ولم يقل : الذي تعرفونني . وعلى هذا كلام العرب الفصيح . وقد جاء أيضا الحمل في مثل هذا على المعنى دون اللفظ ، قال « 3 » : وأنا الذي قتّلت بكرا بالقنا * وتركت تغلب غير ذات سنام « 4 » فقال : قتّلت ، ولم يقل : قتّل .
--> ( 1 ) طرفة : هو طرفة بن العبد بن سفيان بن سعد بن مالك بن ضبيعة بن قيس بن ثعلبة ، ويقال أن اسمه عمرو ، وسمي طرفة ببيت قاله ، وأمه وردة ، وقتل وهو ابن عشرين سنة ، ولذا يقال له ابن العشرين . ( 2 ) الضرب : السريع الحركة لقلة لحمه . القاموس المحيط ( 1 / 95 ) . خشاش : ذكي ماضي في الأمور . القاموس ( 2 / 272 ) . المتوقد : الماضي السريع التوقد في النشاط والمضار . لسان العرب ( 3 / 466 ) . وقوله ( كرأس الحية ) كناية الذكاء والحركة والنشاط . الشاهد فيه قوله ( الذي تعرفونه ) ولم يقل ( الذي تعرفونني ) . يقول مفتخرا : أنا الضرب الذي عرفتموه ، والعرب تتمدح بخفة اللحم لأن كثرته داعية إلى الكسل والثقل ، وهما يمنعان من الإسراع في دفع الملمات وكشف المهمات ، ويقول أيضا وأنا دخال في الأمور بخفة وسرعة تشبه سرعة حركة رأس الحية ، ويفتخر بيقظته وشدة ذكائه . ( 3 ) البيت لمهلهل . انظر / المقتضب ( 4 / 132 ) ، وشرح المفصل ( 4 / 25 ) . ( 4 ) القنا : ( م ) قناة وهو الرمح الأجوف . القاموس المحيط ( 4 / 380 ) . سنام : كتل من الشحم محدبة على ظهر البعير والناقة ، والسنام من كل شيء أعلاء ( ج ) أسنمة . القاموس المحيط ( 4 / 133 ) .