عثمان بن جني ( ابن جني )
36
سر صناعة الإعراب
فإن قلت : فأيّ أيضا على ثلاثة أحرف ، فهلا دخلت اللام عليها ، فقيل : مررت بزيد الأيّ أخوه منطلق ، كما تقول : الذي أخوه منطلق ، ويكون الأيّ في الوصف بمنزلة الرّثّ « 1 » ، والصّبّ « 2 » ، والخبّ « 3 » ، كما كان الذي بمنزلة العمي ، والجوي « 4 » ، والنّدي ؟ فالجواب : أن في أيّ سرا يمنع من هذا الذي سمته فيها ، وأن الحكمة في عدولهم عنها إلى الذي ، وذلك أن أيّا في أي موضع وقعت من كلامهم من الخبر والاستفهام والشرط والتعجب ، فليست منفكة من معنى الإضافة لأنها أبدا بعض من كلّ ، فلا بدّ من اعتقاد إضافتها وإرادتها لفظا أو معنى فيها ، فلما شاع فيها معنى الإضافة بعدت عن الصفة ، فلم توضع موضعا يقتصر بها لأجله على الصفة البتة كما فعل ذلك بالذي ، وإنما منعت الإضافة من ذلك لأنها تنافر الصفة في اللفظ والمعنى ، أما في اللفظ فلأن كل صفة معرفة فلا بدّ فيها من لام المعرفة على ما تقدّم ، ولام المعرفة لا تجامع الإضافة لأنهما يتعقبان الكلمة ، فلا يجتمعان معا ، فأما قولهم : الحسن الوجه ، والكريم الأب وبابهما فإن الإضافة فيهما غير محضة « 5 » ، وتقدير الانفصال فيهما واجب ، ألا ترى أن المعنى : الحسن وجهه ، والكريم أبوه ، على أن هذا الاتساع في اللفظ بالجمع بين اللام والإضافة إنما جاء في الصفات المشتقة من الأفعال « 6 » نحو : الحسن من حسن ، والظريف من ظرف ، و « أيّ » ليست بصفة ولا جارية على فعل ، فبعدت من أحكام الصفات .
--> ( 1 ) الرث : رديء المتاع . ( ج ) رثاث . القاموس المحيط ( 1 / 167 ) مادة / رثث . ( 2 ) الصب : يقال : صب إليه أي رق واشتاق فهو صب وهي صبة . القاموس المحيط ( 1 / 91 ) . ( 3 ) الخب : فلان خب في الأمر أي أسرع ، والخب : المخادع الغشاش لقوله - صلّى اللّه عليه وسلم - : « لا يدخل الجنة خبّ ولا خائن » . القاموس المحيط ( 1 / 59 ) . ( 4 ) الجوى : مرض الصدر ، وكذا إذا اشتد الوجد من عشق أو حزن . القاموس ( 4 / 314 ) . ( 5 ) فإن الإضافة فيهما غير محضة : وهي أن يكون الجزء الأول بمنزلة الفعل المضارع في إفادته الحال أو الاستقبال : أي اسم الفاعل أو اسم المفعول أو صفة مشبهة ، كقوله تعالى : هَدْياً بالِغَ الْكَعْبَةِ ( المائدة : 95 ) . شرح ابن عقيل ( 2 / 44 ) ، شذور الذهب ( 326 ) . ( 6 ) الصفات المشتقة من الأفعال : ويقصد بها أن تشتق الصفة من الفعل مثل الحسن من حسن ، الظريف من ظرف .