عثمان بن جني ( ابن جني )
347
سر صناعة الإعراب
كذلك قول سيبويه « إن النون عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين » لأن النون على كل حال لفظ ، وليست بمعنى . وألزم أبو العباس أبا عمر هنا شيئا لا يلزمه عندي ، وذلك أنه قال : قد علمنا أن أول أحوال الاسم الرفع ، فأول ما وقعت التثنية وقعت والألف فيها ، فقد وجب أن لا يكون فيها في موضع الرفع إعراب « 1 » . وذلك أن أبا عمر إذا كان يقول في الألف ما قاله سيبويه فله فيه ما له ، وعليه ما عليه . وقد صح أن سيبويه يقول : إن النون عوض مما منع الاسم من الحركة والتنوين ، وكذلك أيضا قول أبي عمر في الرفع إن النون عوض من الحركة والتنوين ، وإذا كانت عوضا من الحركة فإن الاسم معرب ، والنون تقوم مقام حركة إعرابه ، فقد كان يجب على أبي العباس أن لا يدعي على أبي عمر أنه يعتقد أن الاسم في حال الرفع لا إعراب فيه . فإن أراد أبو العباس أنه ليس في الألف إعراب ، وإنما النون عوض من الإعراب ، فهذا هو الذي قاله سيبويه أيضا ، وقد قامت الدلالة على صحته ، فينبغي أن يكون قول أبي عمر صحيحا إذ هو قول سيبويه الصحيح ، وإنما الذي يلزم أبا عمر في هذا ما قدمناه من أنه جعل اسما واحدا في حال الرفع معربا لفظا ، وجعل ذلك الاسم بعينه في حال الجر والنصب معربا معنى ، فخالف بين جهتي إعراب اسم واحد من حيث لا يجوز الخلاف . فإن قلت : فإذا كان قلب الألف ياء في الجر والنصب هو الإعراب عند أبي عمر فما الذي ينبغي أن يعتقد في النون في حال الجر والنصب ، هل هي عنده عوض من الحركة والتنوين جميعا أو عوض من التنوين وحده ؛ إذ القلب قد ناب على مذهبه عن اعتقاد النون عوضا من الحركة ؟ فالجواب : أن أبا علي سوّغه أن تكون النون عوضا من الحركة والتنوين جميعا ، وإن كان يقول إن الانقلاب هو الإعراب ، قال : وذلك أنه لم تظهر إلى اللفظ حركة ، وإنما هناك قلب ، فحسن العوض من الحركة وإن قام القلب مقامها في الإعراب .
--> ( 1 ) المقتضب ( 2 / 152 ) .