عثمان بن جني ( ابن جني )
348
سر صناعة الإعراب
وهذا الذي رآه أبو علي حسن جدا ، ويشهد بقوته أن من رأى صرف المؤنث المعرفة إذا كان ثلاثيا ساكن الأوسط نحو « جمل » و « دعد » لخفته بسكون وسطه ، يرى مثل ذلك سواء في نحو « دار » و « نار » إذا سمّى بهما مؤنثا وإن كانت الألف تدل على أن العين محركة في الأصل ، وأصلهما « دور » و « نور » إلا أن تلك الحركة في العين لما لم تظهر إلى اللفظ لم يعتد بها ، ولم تجر الكلمة وإن كانت مقدرة حركة العين مجرى « قدم » و « فخذ » إذا صارا علمين لمؤنث في ترك صرفهما كما يترك صرفهما ، فكذلك أيضا لما كان الإعراب في رأيت الزيدين ، ومررت بالزيدين على مذهب أبي عمر معنى لا لفظا ، جاز أن يعوض من الحركة التي كان ينبغي للاسم أن يحرّك حرف إعرابه بها نون في الزيدين والعمرين ، ونظائره كثيرة ، فهذا يؤيد ما رآه أبو علي لقياس مذهب أبي عمر . ولو أن قائلا قال : قياس قول أبي عمر أن تكون النون في تثنية المنصوب والمجرور عنده عوضا من التنوين وحده ، لأن الانقلاب قد قام مقام الحركة ، لم أر به بأسا . فإن قلت : فإذا كان الأمر كذلك فقد يجب على قول أبي عمر أن تكون النون محذوفة مع اللام في موضع الجر والنصب إذا كانت عوضا من التنوين الذي يحذف مع اللام ، وثابتة في حال الرفع معها لأنها عوض من الحركة معها على ما بيّنّاه في حرف النون ، فكان يلزم أبا عمر أن يقول قام الزيدان ، وضربت الزيدي ، ومررت بالزيدي . فالجواب : أن النون على هذا القول وإن كانت في حال الجر والنصب عوضا من التنوين وحده ، فإنها لم تحذف مع اللام كما يحذف التنوين معها ، من حيث كانت النون أقوى من التنوين إذ كانت ثابتة في الوصل والوقف متحركة ، والتنوين يزيله الوقف ، وهو أبدا ساكن إلا أن يقع بعده ما يحرّك له ، فلما كانت النون أقوى من التنوين لم تقو اللام على حذفها كما قويت على حذف التنوين . وأما قول الفراء وأبي إسحاق الزيادي « إن الألف هي الإعراب » فهو أبعد الأقاويل من الصواب . قال أبو علي : يلزم من قال إن الألف هي الإعراب أن يكون الاسم متى حذفت منه الألف دالا من معنى التثنية على ما كان يدل عليه والألف فيه ؛ لأنك لم تعرض لصيغة الاسم ، وإنما حذفت إعرابه ، فسبيل معناه أن يكون قبل