عثمان بن جني ( ابن جني )

339

سر صناعة الإعراب

فالجواب : أن بينهما فرقا ، وذلك أن الأسماء المقصورة التي حروف إعرابها ألفات ، وإن كانت في حال الرفع والنصب والجر على صورة واحدة ، فإنه قد يلحقها من التوابع بعدها ما ينبّه على مواضعها من الإعراب ، وذلك نحو الوصف في قولك : هذه عصا معوجّة ، ورأيت عصا معوجّة ، ونظرت إلى عصا معوجّة ، فصار اختلاف إعراب « معوجة » دليلا على اختلاف أحوال « عصا » من الرفع والنصب والجر . وكذلك التوكيد نحو قولك : عندي العصا نفسها ، ورأيت العصا نفسها ، ومررت بالعصا نفسها ، فاختلاف إعراب « النفس » دليل على اختلاف إعراب « العصا » وأنت لو ذهبت تصف الاثنين لوجب أن تكون الصفة بلفظ التثنية ، ألا تراك لو تركت التثنية بالألف على كل حال لوجب أن تقول في الصفة : رأيت الرجلان الظريفان ، ومررت بالرجلان الظريفان ، فيكون لفظ الصفة كلفظ الموصوف بالألف على كل حال ، فلا تجد هناك من البيان ما تجده إذا قلت : رأيت عصا معوجة أو طويلة أو قصيرة أو نحو ذلك مما يبين فيه الإعراب . وكذلك البدل نحو : رأيت أخواك الزيدان ، ومررت بأخواك الزيدان ، فلا تجد في التابع بيانا يدل على حال المتبوع ، فلما كان ذلك كذلك عدلوا إلى أن قلبوا لفظ الجر والنصب إلى الياء ليكون ذلك أدلّ على تمكن الاسم واستحقاقه الإعراب . ونظير قلبهم الألف في التثنية ياء في الجر والنصب قولهم « هديّ » و « عصيّ » ؛ ألا ترى أنهم قلبوا الألف ياء لما كانت ياء المتكلم يكسر ما قبلها ، فاعرفه . على أن من العرب من لا يخاف اللبس ، ويجري الباب على أصل قياسه ، فيدع الألف ثابتة في الأحوال الثلاث ، فيقول : قام الزيدان ، وضربت الزيدان ، ومررت بالزيدان ، وهم بنو الحارث بن كعب ، وبطن من ربيعة ، وأنشدوا في ذلك : تزوّد منّا بين أذناه طعنة * دعته إلى هابي التراب عقيم « 1 »

--> ( 1 ) البيت لهوبر الحارثي كما في اللسان ( صرع ) ( 8 / 197 ) ، ( 15 / 351 ) مادة / هبا . طعنة : أثر الطعن . هابي التراب : ما ارتفع ودق . اللسان ( 15 / 351 ) . عقيم : لا فائدة منه . اللسان ( 12 / 413 ) مادة / عقم . والشاهد فيه ( أذناه ) حيث لم تقلب ألف أذناه ياء وهي لغة بنو الحارث .