عثمان بن جني ( ابن جني )

319

سر صناعة الإعراب

فإن قلت : فالنون في « عن » و « أن » كل واحدة منهما حرف ساكن من جملة كلمة هي حرف ، كما أن نون « إذن » ساكنة من جملة حرف ، فهل يجوز أن تبدل منها في الوقف ألفا ، فتقول : « عا » و « أا » كما قلت : إذا ؟ وإن كان ذلك غير جائز ، فهلا لم يجز أيضا إبدال النون من « إذن » ألفا في الوقف ؟ فالجواب : أن ذلك إنما امتنع في نون « عن » و « أن » من وجهين : أحدهما : أنهما حرفان لا يوقف عليهما ، أما « عن » فحرف جر ، وحروف الجر لا يمكن تعليقها عن المجرور ولا الوقوف عليها دونه إلا عند انقطاع نفس ، وذلك قليل مغتفر . وأما « أن » فلا تخلو من أن تكون الناصبة للفعل ، وهذه لا يوقف عليها لأنها من عوامل الأفعال ، وعوامل الأفعال أضعف من عوامل الأسماء ، أو لا ترى أنه لا يمكنك الفصل بينها وبين ما تنصبه من الأفعال إلا ب « لا » في نحو قولك : أحبّ أن لا تقوم ، وأسألك أن لا تفعل ، فجرى هذا الفصل بينهما في ترك الاعتداد به وقلة المراعاة له مجرى الفصل ب « لا » بين الجار والمجرور في نحو قولك : جئت بلا مال ، وضربته بلا ذنب ، ومجرى الفصل بين الجازم والمجزوم المشبهين للجار والمجرور في نحو قولك : إن لا تقم لا أقم ، فلما ضعفت « أن » الناصبة للفعل عن فصلها واقتطاعها عما بعدها لم يحسن الوقوف صلة لها ، والوقوف على الموصول دون صلته قبيح مع الأسماء القوية ، فكيف به مع الحروف الضعيفة . أو أن تكون « أن » المخففة من الثقيلة الناصبة للاسم نحو قوله عز اسمه عَلِمَ أَنْ سَيَكُونُ مِنْكُمْ مَرْضى ( المزمل : 20 ) « 1 » . ونحو قول الشاعر « 2 » : زعم الفرزدق أن سيقتل مربعا * . . . . . . . . . . « 3 »

--> ( 1 ) الشاهد ( أن سيكون ) حيث لا يجوز إبدال نون ( أن ) ألفا لأنها حرف لا يجوز الوقوف عليها ، ولا يمكن فصلها عما بعدها . ( 2 ) البيت لجرير وهو في ديوانه ( ص 916 ) وشطر البيت الثاني : أبشر بطول سلامة يا مربع ( 3 ) الشاهد فيه ( أن سيقتل ) حيث لا يجوز إبدال نون ( أن ) ألفا لأنها حرف ، ولا يجوز الوقوف عليه .