عثمان بن جني ( ابن جني )
285
سر صناعة الإعراب
أي : مع بني أبيكم ، فلما حذف « مع » وأقام الواو مقامها أفضى الفعل الذي قبل الواو إلى الاسم الذي بعدها . فنصبه بواسطة الواو ، وذلك أن الواو قوّته ، فأوصلته إليه ، وقد استقصيت هذا الفصل في حرف الباء من كتابنا هذا . وأما الواو التي للحال فنحو قولك : مررت بزيد وعلى يده باز ، أي : مررت به وهذه حاله ، ولقيت محمدا وأبوه يتلو ، أي : لقيته وهذه حاله ، ونظرت إلى سعيد وسيفه على كتفه ، أي : نظرت إليه وهذه حاله . ولا يقع بعد هذه الواو إلا جملة مركبة من مبتدأ وخبر ، لو قلت : كلمت محمدا وقام أخوه ، وأنت تريد معنى الحال لم يجز إلا أن تريد معنى « قد » فكأنك قلت : كلمت محمدا وقد قام أخوه ، وذلك أن « قد » تقرّب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد . ألا تراهم يقولون : « قد قامت الصلاة » قبل حال قيامها ، وإنما جاز ذلك لمكان « قد » وعلى قول الشاعر « 1 » : أمّ صبيّ قد حبا أو دارج « 2 » فكأنه قال : أمّ صبيّ حاب أو دارج .
--> الشاهد في « كونوا أنتم وبني أبيكم » إذ يطلب ممن يخاطبهم فقط أن يكونوا مع أبناء أبيهم متماسكين متصلين تماسك الكليتين من الطحال ، وهذا المعنى يناسبه أن تكون الواو بمعنى ( مع ) ولو جعلت الواو للعطف لكان مقتضى الكلام أنه يطلب ممن يخاطبهم ومن بني أبيهم أيضا التماسك والاتصال ، وهذا المعنى لا يريده الشاعر بل يريد المعنى الأول ، ولذلك ترجح أن تكون ( بني أبيكم ) منصوبة على أنها مفعول معه . ( 1 ) البيت لجندب بن عمرو كما في ديوان الشماخ ( ص 363 ) وهو بغير نسبة في معاني القرآن للفراء ( 1 / 214 ) . ( 2 ) حبا : الحبو : أن يمشي على يديه وركبتيه أو استه . لسان العرب ( 14 / 161 ) مادة / حبا . والدارج من مشا مشيا ضعيفا ودبّا . لسان العرب ( 2 / 266 ) مادة / درج . والشاهد في قوله « قد حبا » فقد تقرب الماضي إلى الحال فكأنه قال : حاب ، ودارج ، وجاز له ذلك لأن قد تقرب الماضي من الحال حتى تلحقه بحكمه أو تكاد . لسان العرب ( 2 / 266 ) . إعراب الشاهد : قد : حرف تحقيق وتأكيد . حبا : فعل ماضي مبني على الفتح لعدم اتصاله بشيء وفاعله ضمير مستتر تقديره هو يعود على صبي . وجملة « قد حبا » في محل جر نعت ل « صبي » .