عثمان بن جني ( ابن جني )
286
سر صناعة الإعراب
وتأولوا قوله عز اسمه : أَوْ جاؤُكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ ( النساء : 90 ) على معنى : قد حصرت صدورهم « 1 » . وذهب آخرون إلى أن تقديره : أو جاؤوكم رجالا أو قوما حصرت صدورهم ، ف حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ الآن في موضع نصب لأنها صفة حلت محل موصوف منصوب على الحال ، على أن في هذا بعض الضعف لإقامتك الصفة مقام الموصوف ، وهذا مما الشعر وموضع الاضطرار أولى به من النثر وحال الاختيار . وإذا وقعت هذه الجملة بعد هذه الواو كنت في تضمينها ضمير صاحب الحال وترك تضمينها إياه مخيرا ، فالتضمين كقولك : جاء زيد وتحته فرس ، وترك التضمين كقولك : جاء زيد وعمرو يقرأ . وإنما جاز استغناء هذه الجملة عن ضمير يعود منها إلى صاحب الحال من قبل أن الواو ربطت ما بعدها بما قبلها ، فلم تحتج إلى أن يعود منها ضمير على الأول ليرتبط به آخر الكلام بأوله ، وإن جئت به فيها فحسن جميل ؛ لأن فيه تأكيدا لارتباط الجملة بما قبلها . فأما إذا لم يكن هناك واو فلا بدّ من تضمّن الجملة ضميرا من الأول ، وذلك نحو قولك : أقبل محمد على رأسه قلنسوة « 2 » ، ولو قلت : أقبل محمد على جعفر قلنسوة ، وأنت تريد : أقبل محمد وهذه حاله لم يجز ؛ لأنك لم تأت بالواو التي هي رابطة ما بعدها بما قبلها ، ولا بضمير يعود من آخر الكلام فيدل على أنه معقود بأوله . وإذا فقدت جملة الحال هاتين الحالتين انقطعت مما قبلها ، ولم يكن هناك ما يربط الآخر بالأول . وعلى هذا قول الشاعر « 3 » : نصف النهار الماء غامره * ورفيقه بالغيب لا يدري « 4 »
--> ( 1 ) هذا قول الفراء . معاني القرآن ( 1 / 282 ) . ( 2 ) القلنسوة : من ملابس الرؤوس معروف . لسان العرب ( 6 / 181 ) مادة / قلس . ( 3 ) هو المسيب بن علس كما في جمهرة اللغة ( 3 / 83 ) ، ولسان العرب ( 9 / 331 ) مادة / نصف . ( 4 ) نصف : أراد انتصف النهار ، والماء غامره فانتصف النهار ولم يخرج من الماء . اللسان ( 9 / 331 ) غامره : من غمره الماء إذا دخل في معظمه . ورفيقه : صاحبه . الشرح : يصف الشاعر غائصا غاص في الماء حتى انتصف النهار وصديقه واقف على الشاطئ لا يدري ما كان منه . والشاهد في « الماء غامره » فقد جاءت حالا ل « الغائص » دون واو الحال كما في المتن .