عثمان بن جني ( ابن جني )
22
سر صناعة الإعراب
فإن قلت : إنّ ينباع : يفعال ، وينحاز : ينفعل ، وأصله ينحوز ، فكيف يجوز أن تشبّه ألف يفعال بعين ينفعل ؟ فالجواب : أنّا إنما شبّهناه به شبها لفظيا ، فساغ « 1 » لنا ذلك ، ولم نشبّهه شبها معنويا ، فيفسد ذلك علينا ، على أن الأصمعي قد ذهب في ينباع إلى أنه ينفعل ، وقال : يقال : انباع الشجاع ينباع انبياعا إذا انخرط من الصف ماضيا ، فهذا ينفعل لا محالة لأجل ماضيه ومصدره ، لأن انباع لا يكون إلا انفعل ، والانبياع لا يكون إلا انفعالا . وأنشد الأصمعي ، وقرأته على أبي سهل أحمد بن محمد عن أبي العباس محمد بن يزيد : يطرق حلما وأناة معا * ثمّت ينباع انبياع الشّجاع « 2 » فإذا جاز أن يعتقد في ينباع أنه ينفعل ، فهو بأن يقوى شبهه ، وهو يراد به يفعل ، بينفعل نحو ينحاز وينقاد أجدر . وهذا الشبه اللفظي أكثر من أن أضبطه لك ، فكذلك جاز أن تشبّه اللام لما دخلت الهمزة عليها فكثّرتها في اللفظ بما جاء من الحروف على حرفين نحو : هل ، وقد ، ولو ، وكما جاز الوقوف عليها مع التذكر لما ذكرناه من مشابهتها قد ، وبل ، كذلك جاز أيضا قطعها في المصراع الأول ومجيء ما تعرّف بها في المصراع الثاني نحو ما أنشدناه لعبيد ، وما جرى مجراه .
--> ( 1 ) فساغ : أي طاب وهنؤ . ( 2 ) ذكر عجز البيت صاحب اللسان في مادة ( ب وع ) ( 8 / 23 ) دون أن ينسبه ، بينما نسبه المفضل الضبي إلى السفاح بن بكير اليربوعي . يطرق : يدخل فيه ويستغرق من باب دخل فهو طارق . مادة ( ط ر ق ) . لسان ( 10 / 217 ) حلما : حلم حلما أي تأنى وسكن عند غضب أو مكروه مع قدرة وقوة ، والحلم العقل أيضا . أناة : الحلم والوقار . القاموس المحيط ( 4 / 301 ) مادة / أنى . انبياع : ينباع ، انبياع أي يتحرك ويتقدم الصف . لسان العرب ( 8 / 345 ) مادة / نبع . الشجاع : الجريء المقدام ( ج ) شجعان . مادة ( ش ج ع ) . القاموس المحيط ( 3 / 43 ) . الشاهد في البيت إشباع فتحة الباء فتحول الإشباع بالفتح إلى ألف فأصبحت : ينباع ، انبياع . إعراب الشاهد : ينباع : فعل مضارع مرفوع لأنه لم يسبقه ناصب أو جازم .