عثمان بن جني ( ابن جني )

19

سر صناعة الإعراب

وكذلك لو كان حرف التعريف في نية الانفصال لما جاز نفوذ الجر إلى ما بعد حرف التعريف . وهذا يدل على شدة امتزاج حرف التعريف بما عرّفه . وإنما كان كذلك لقلّته وضعفه عن قيامه بنفسه ، ولو كان حرفين لما لحقته هذه القلة ، ولا جاز تجاوز حرف الجر له إلى ما بعده . ودليل آخر يدل على شدة اتصال حرف التعريف بما دخل عليه ، وهو أنه قد حدث بدخوله معنى في ما عرّفه لم يكن قبل دخوله ، وهو معنى التعريف ، فصار المعرّف كأنه غير ذلك المنكور وشيء سواه ، ألا ترى إلى إجازتهم الجمع بين رجل والرّجل ، وغلام والغلام قافيتين في شعر واحد من غير استكراه ولا اعتقاد إيطاء ، فهذا يدلك على أن حرف التعريف كأنه مبني مع ما عرّفه ، كما أن ياء التحقير مبنية مع ما حقّرته ، وكما أن ألف التكسير مبنية مع ما كسّرته ، فكما جاز أن يجمع بين رجلكم ورجيلكم قافيتين ، وبين درهمك ودراهمكم ، كذلك جاز أيضا أن يجمع بين رجل والرجل ، لأن النكرة شيء سوى المعرفة ، كما أن المكبّر غير المصغّر ، وكما أن الواحد غير الجمع . فهذا أيضا دليل قوي يدل على أن حرف التعريف مبني مع ما عرّفه أو كالمبني معه . ويزيدك تأنيسا بهذا أن حرف التعريف نقيض التنوين ، لأن التنوين دليل التنكير ، كما أن هذا الحرف دليل التعريف ، فكما أن التنوين في آخر الاسم حرف واحد ، فكذلك حرف التعريف من أوله ينبغي أن يكون حرفا واحدا . فأما ما يحتج به الخليل « 1 » من انفصاله عنه بالوقوف عليه عند التذكر ، فإن ذلك لا يدل على أنه في نية الانفصال منه ، لأن لقائل أن يقول : إنه حرف واحد ، ولكن الهمزة لما دخلت على اللام ، فكثر اللفظ بها أشبهت اللام بدخول الهمزة عليها من جهة اللفظ لا المعنى ما كان من الحروف على حرفين نحو هل ، ولو ، ومن ، وقد ، فجاز فصلها في بعض المواضع . وهذا الشبه اللفظي موجود في كثير من كلامهم ، ألا ترى أن أحمد وبابه مما ضارع الفعل لفظا إنما روعيت فيه مشابهة اللفظ فمنع ما يختص بالأسماء ، وهو التنوين ، وجذب إلى حكم الفعل من ترك التنوين .

--> ( 1 ) انظر الكتاب ( 2 / 64 ) .