عثمان بن جني ( ابن جني )
18
سر صناعة الإعراب
و آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ ( الأنفال : 144 ) « 1 » ، ونحو قولهم في القسم : أفألله ، و : لاها الله ذا ، ولم نر همزة الوصل ثبتت في نحو هذا . فهذا كله يؤكد أن همزة أل ليست بهمزة وصل ، وأنها مع اللام بمنزلة قد ، وهل ونحوهما . وأما ما يدل على أن اللام وحدها هي حرف التعريف ، وأن الهمزة إنما دخلت عليها لسكونها ، فهو إيصالهم جرّ الجار إلى ما بعد حرف التعريف ، وذلك نحو قولهم : عجبت من الرجل ، ومررت بالغلام ، والغلام كالجارية . فنفوذ الجر بحرفه إلى ما بعد حرف التعريف يدل على أن حرف التعريف غير فاصل عندهم بين الجار والمجرور ، وإنما كان ذلك كذلك لأنه في نهاية اللطافة والاتصال بما عرّفه . وإنما كان كذلك لأنه على حرف واحد ولا سيما ساكن ، ولو كان حرف التعريف عندهم حرفين ك « قد » ، و « هل » لما جاز الفصل به بين الجار والمجرور به ، لأنّ قد وهل كلمتان بائنتان قائمتان بأنفسها ، ألا ترى أن أصحابنا « 2 » أنكروا على الكسائي وغيره قراءته ثُمَّ لْيَقْطَعْ ( الحج : 15 ) « 3 » بسكون اللام من « ليقطع » وكذلك ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ ( الحج : 29 ) « 4 » لأن ثمّ قائمة بنفسها ، لأنها على أكثر من حرف واحد ، وليست كواو العطف وفائه ، لأن تينك ضعيفتان متصلتان بما بعدهما ، فلطفتا عن نية فصلهما وقيامهما بأنفسهما .
--> ( 1 ) أي لم تحلون بعضا وتحرمون بعضا ، واللّه عز وجل لم يحرم شيئا من ذلك ، فكله حلال . انظر / تفسير مختصر الطبري ( ص 123 ) . الأسلوب إنشائي في صورة استفهام غرضه التحقير والتوبيخ لفكرهم ومعتقداتهم . الشاهد في الآية حذف همزة الوصل أيضا . ( 2 ) أصحابنا : يقصد منهم المبرد الذي اتهم مثل الكسائي وغيره بالتحريف واللحن في قراءتهم على هذه الشاكلة ، حيث كانوا يقرأون ثُمَّ لْيَقْطَعْ بسكون اللام ، وكذلك لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ . ( 3 ) ثُمَّ لْيَقْطَعْ قرأ هذه الآية كما ذكرنا سابقا بسكون اللام كل من الكسائي وعاصم وغيرهما ، وأنكر عليهم هذه القراءة ابن جني والمبرد وغيرهما أيضا . وقوله تعالى : ثُمَّ لْيَقْطَعْ أي ثم ليختنق . ( 4 ) ثُمَّ لْيَقْضُوا أي ليقضوا ما عليهم من مناسك حجهم من حلق وطواف ورمي جمرة وموقف وغيرها . انظر / تفسير مختصر الطبري ( ص 293 ) . الشاهد في هذا الجزء من الآية قراءة لْيَقْضُوا بسكون اللام كما وضحنا سابقا .