عثمان بن جني ( ابن جني )

17

سر صناعة الإعراب

أفد الترحّل غير أنّ ركابنا * لما تزل بر حالنا وكأن قد « 1 » ألا ترى أن التقدير فيه : وكأن قد زالت ، فقطع قد من الفعل كقطع أل من الاسم . وعلى هذا قالوا أيضا في التّذكّر : « قام إلي » إذا نويت بعده كلاما ، أي : الحارث أو العباس ، فجرى هذا مجرى قولك في التذكر : قدي ، أي : قد انقطع ، أو قد قام ، أو قد استخرج ونحو ذلك . وإذا كان ال عند الخليل حرفا واحدا فقد كان ينبغي أن تكون همزته مقطوعة ثابتة كقاف قد وباء بل ، إلا أنه لّما كثر استعمالهم لهذا الحرف عرف موضعه ، فحذفت همزته ، كما حذفوا لم يك ، ولا أدر ، ولم أبل . ويؤكد هذا القول عندك أيضا أنهم قد أثبتوا هذه الهمزة بحيث تحذف همزات الوصل البتة ، وذلك نحو قول اللّه عز وجل : آللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ ( يونس : 59 ) « 2 » ،

--> ( 1 ) البيت للنابغة الذبياني وقد عثرنا عليه في ديوانه ( ص / 93 ) بشرح الطاهر بن عاشور . الترحل : الرحيل . ركابنا : الركاب للسرج ما توضع فيه الرجل . والركاب : الإبل المركوبة أو الحاملة شيئا . رحالنا : ( م ) رحل : وهو ما يوضع على ظهر البعير للركوب . يقول الشاعر : إن ميعاد الرحيل قد أزف وآن رغم أن ركابنا لم تزل برحالنا . الشاهد فيه تقدير : وكأن قد زالت ، فقطع قد من الفعل هنا كقطع ال من الاسم . إعراب الشاهد : قد : حرف توكيد مبني . ( 2 ) يروى في هذه الآية أن أبا الأحوص وهو عوف بن مالك بن نضلة حدث عن أبيه قال : أتيت رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - وأنا رث الهيئة فقال : هل لك مال ؟ قلت : نعم . قال من أي المال ؟ قال : قلت : من كل المال : من الإبل والرقيق والخيل والغنم . فقال : « إذا أتاك اللّه مالا فلير عليك » وقال : « هل تنتج إبلك صحاحا آذانها فتعمد إلى موسى فتقطع أذنها فتقول هذه بحر ، وتشق جلودها وتقول هذه صرم ، وتحرمها عليك وعلى أهلك ؟ » قال : نعم . قال : « فإن ما آتاك اللّه لك حل » ، وقد أنكر اللّه تعالى على من حرم ما أحل اللّه أو أحل ما حرم اللّه لمجرد الأهواء والآراء التي لا مستند لها ولا دليل عليها . تفسير ابن كثير ( 2 / 421 ) . والأسلوب إنشائي في صورة استفهام غرضه التهكم والسخرية من أولئك الذين يحرمون ما أحل اللّه أو العكس ، وأيضا إنكار ذلك عليهم إذ لا حجة لتحريمهم ما حرموا أو حل ما أحلوا . والشاهد في الآية : حذف همزة الوصل .