عثمان بن جني ( ابن جني )
50
سر صناعة الإعراب
قال امرؤ القيس : صمّ صداها وعفا رسمها * واستعجمت عن منطق السائل " 1 " فإن قال قائل فيما بعد : إنّ جميع ما قدمته يدل على أن تصريف ( ع ج م ) في كلامهم موضوع للإبهام ، وخلاف الإيضاح ، وأنت إذا قلت : أعجمت الكتاب ، فإنما معناه أوضحته وبينته ، فقد ترى هذا الفصل مخالفا لجميع ما ذكرته ، فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته ؟ " 2 " فالجواب : أن قولهم أعجمت وزنه أفعلت ، وأفعلت هذه وإن كانت في غالب أمرها إنما تأتي للإثبات والإيجاب ، نحو : أكرمت زيدا ، أي أوجبت له الكرامة ، وأحسنت إليه ، أثبت الإحسان إليه ، وكذلك أعطيته وأدنيته وأسعدته وأنقذته ، فقد أوجبت جميع هذه الأشياء له - فقد تأتي أفعلت أيضا يراد بها السّلب والنفي ، وذلك نحو : أشكيت زيدا : إذا زلت " 3 " له عما يشكوه . أنشدنا أبو عليّ قال : أنشد أبو زيد : تمدّ بالأعناق أو تلويها * وتشتكي لو أنّنا نشكيها " 4 " أي لو أننا نزول لها عمّا تشكوه .
--> ( 1 ) الصمم : انسداد الأذن ، وثقل السمع ، والفعل منه " صم " بالإدغام . اللسان ( 4 / 2500 ) . والصدى : ما يرجع عليك من صوت الجبل ، وإسناد الصمم إلى الصدى لتخيل أن الصدى يسمع المتكلم فيجيب ، فإذا لم يجب فكأن به صمما . اللسان ( 4 / 2422 ) . واستعجمت الدار : سكتت ، ولذلك عداه بعن ، والمراد أن هذه الدار لم تجب السائل عما يسأل ، وذهبت آثارها التي تدل على أصحابها . مادة ( ع . ج . م ) اللسان ( 4 / 2828 ) . ( 2 ) فمن أين لك الجمع بينه وبين ما قدمته ؟ : أسلوب استفهام يفيد التشوق والتقرير . ( 3 ) زلت : تنحيت له عما يشكوه . اللسان ( 3 / 1856 ) . مادة ( ز . ل . ل ) . ( 4 ) نشكيها : ننزع لها عن شكايتها وعتابها . مادة ( ش . ك . ا ) . اللسان ( 4 / 2314 ) . والراجز هنا يصف إبلا قد أتعبها السير فهي تلوي أعناقها تارة ، وتمدها أخرى ، وتشتكي إلينا ، فلا ننزع لها عن شكايتها . شكواها : ما غلبها من سوء الحال والهزال ، وهذا يقوم مقام كلامها . وبين ( تمد ، تلويها ) طباق يبرز المعنى بالتضاد ويزيده وضوحا .