عثمان بن جني ( ابن جني )
22
سر صناعة الإعراب
اختلفت الأصوات ، وسمع لكل خرق منها صوت لا يشبه صاحبه ، فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم " 1 " ، باعتماد على جهات مختلفة ، كان سبب استماعنا هذه الأصوات المختلفة . ونظير ذلك أيضا وتر العود ، فإنّ الضارب إذا ضربه وهو مرسل . سمعت له صوتا ، فإن حصر " 2 " آخر الوتر ببعض أصابع يسراه ، أدّى صوتا آخر ، فإن أدناها " 3 " قليلا ، سمعت غير الاثنين ، ثم كذلك كلما أدنى أصبعه من أوّل الوتر تشكلت لك أصداء مختلفة ، إلا أنّ الصوت الذي يؤديه الوتر غفلا غير محصور ، تجده بالإضافة إلى ما أدّاه وهو مضغوط محصور ، أملس مهتزا " 4 " ، ويختلف ذلك بقدر قوة الوتر وصلابته ، وضعفه ورخاوته " 5 " ، فالوتر في هذا التمثيل كالحلق ، والخفقة بالمضراب عليه كأوّل الصّوت من أقصى الحلق ، وجريان الصوت فيه غفلا غير محصور كجريان الصوت في الألف الساكنة ، وما يعترضه من الضّغط والحصر بالأصابع كالذي يعرض للصوت في مخارج الحروف من المقاطع ، واختلاف الأصوات هناك كاختلافها هنا . وإنما أردنا بهذا التمثيل الإصابة والتقريب ، وإن لم يكن هذا الفنّ ممّا لنا ولا لهذا الكتاب به تعلّق ، ولكنّ هذا القبيل من هذا العلم ، أعني علم الأصوات والحروف ، له تعلّق ومشاركة للموسيقى ، لما فيه من صنعة الأصوات والنّغم . فقد ثبت بما قدمناه معرفة الصوت من الحرف ، وكشفنا عنهما بما هو متجاوز للإقناع في بابهما ، ووضحت حقيقتهما لمتأمّلها .
--> ( 1 ) فكذلك إذا قطع الصوت في الحلق والفم : تشبيه استعاري حيث يشبه الصوت بشيء مادي يقطع وتشبيه للثنايا التي تعترضه وتقطعه بأنها سكين حاد . ( 2 ) حصر : أحاط به ومنعه من الحركة . لسان العرب ( 2 / 895 ) . مادة ( ح . ص . ر ) . ( 3 ) أدناها : قربها . لسان العرب ( 2 / 1435 ) . مادة ( د . ن . ا ) . ( 4 ) أملس مهتزا : تعدد نعت الصوت ووصفه بأنه أملس . مهتز . . . يدل على شدة دقة وصف الصوت حتى يتخيله السامع بناظريه وأذنيه معا وهذا يؤكد الفكرة ويقويها ، لما فيها من تشبيه بليغ للصوت كأنه شيء مادي يمكن لمسه . ( 5 ) ضعفه ورخاوته : الجمع بين الضعف والرخاوة يبين هيئة الصوت الناتج نتيجة ضعف الوتر ورخاوته . إذ يختلف بخلاف الصوت الناتج لو كان الوتر غفلا أو محصورا بالأصابع مثلا .