عثمان بن جني ( ابن جني )
23
سر صناعة الإعراب
فأمّا القول على لفظهما ، فإنّ الصوت مصدر صات الشيء يصوت صوتا ، فهو صائت ، وصوّت تصويتا فهو مصوّت ، وهو عام غير مختص ، يقال سمعت صوت الرجل وصوت الحمار ، قال الله تعالى إِنَّ أَنْكَرَ الْأَصْواتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ . وقال الشاعر : كأنما أصواتها في الوادي * أصوات حجّ من عمان غادي " 1 " وقال ذو الرّمّة ، وهو من أبيات الكتاب : كأنّ أصوات من إيغالهنّ بنا * أواخر الميس أصوات الفراريج " 2 " يريد كأنّ أصوات أواخر الميس من إيغالهنّ بنا أصوات الفراريج ، ففصل بين المضاف والمضاف إليه بحرف الجرّ ، لضرورة الشّعر . ومثله كثير ، إلا أنّا ندعه لشهرته ، ولأنّ هذا الكتاب ليس موضوعا له ، والميس : خشب الرحل .
--> ( 1 ) الوادي : كل مفرج بين الجبال والتلال والإكام ( ج ) أودية ووديان . لسان العرب ( 6 / 4803 ) . حج : ( م ) حاج ، وهو الذي يقصد مكة للنسك . غادي : المسافر في الغدوة ، وهي الوقت ما بين الفجر وطلوع الشمس . لسان ( 5 / 3220 ) . وشبه الشاعر صوت الحروف وصداها بأصوات الحجيج التي تؤدي النسك وصدى صوتها بين الوديان والتلال . والبيت لم ينسبه المؤلف إلى قائله ، ولم نجد له نسبة في جمهرة ابن دريد ولا في اللسان في ( حج ) . ( 2 ) كأن أصوات من إيغالهن بنا * أواخر الميس أصوات الفراريج إيغالهن : الإيغال الإمعال في السير بين ظهراني الجبال ، أو في أرض العدو ، ويقال : أوغلوا وتوغلوا وتغلغلوا . الميس : شجر عظام حرجي للتزيين ، من الفصيلة البوقيصية له ثمر أسود صغير حلو تأكله الطير وفي لحائه وجذوره مادة صفراء صبغية ، وخشبه قوي تصنع منه مصنوعات النجارة ومنها الرحال ، وإذا كان شابا فهو أبيض الجوف ، فإذا تقادم اسود فصار كالأبنوس ، ويغلظ حتى تتخذ منه الموائد الواسعة ويقصد به هنا في البيت خشب الرحل . لسان العرب ( 6 / 4308 ) . الفراريج : ( م ) فروج وهو فرخ الدجاج . لسان العرب ( 5 / 3371 ) مادة : ( ف . ر . ج ) . ويشبه الشاعر أصوات أواخر الرحل ( الميس ) في محاولتها العدو والإيغال لتلحق بأول الرحل كأنها أصوات الفراريج . والميس كناية عن الرحل المصنوع من شجر الميس .