عبد العزيز عتيق
81
علم البديع
لا تعجبي يا سلم من رجل * ضحك المشيب برأسه فيكى فإن « الضحك » هنا من جهة المعنى ليس بضد « البكاء » ، لأنه كناية عن كثرة الشيب ، ولكنه من جهة اللفظ يوهم المطابقة . ومنه قول قريط بن أنيف : يجزون من ظلم أهل الظلم مغفرة * ومن إساءة أهل السوء إحسانا « فالظلم » ليس بضد « المغفرة » وإنما يوهم بلفظه أنه ضد . وقول شاعر آخر : وأخذت أطرار الكلام فلم تدع * شتما يضر ولا مديحا ينفع فضد المديح هو الهجاء وليس الشتم وإن كان قريبا من معناه ، ولهذا فاستعماله ضدا للمديح هو من قبيل إيهام التضاد . * * * ظهور التضاد وخفاؤه : والتضاد بين المعنيين قد يكون ظاهرا كما في الأمثلة السابقة ، وقد يكون خفيا كقوله تعالى : مِمَّا خَطِيئاتِهِمْ أُغْرِقُوا فَأُدْخِلُوا ناراً « 1 » فإدخال النار ليس ضد الإغراق في المعنى ، ولكنه يستلزم ما يقابله وهو الإحراق ؛ فإن من دخل النار احترق ، والاحتراق ضد الغرق . ومثله أيضا قوله تعالى : مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ . فالمطابقة هنا هي في الجمع بين « أشداء ورحماء » فلفظة « رحماء » ليست ضدا في المعنى « لأشداء » ولكن الرحمة تستلزم
--> ( 1 ) مما خطاياهم : من أجل خطاياهم وبسببها .