عبد العزيز عتيق
116
علم البديع
وإن صخرا لتأتم الهداة به * كأنه علم في رأسه نار فإن معنى جملة البيت كامل من غير القافية ، ووجودها زيادة لم تكن له قبلها . فالخنساء لم ترض لأخيها أن يأتمّ به جهّال الناس حتى جعلته يأتمّ به أئمة الناس ، ولم ترض تشبيهه بالعلم ، وهو الجبل المرتفع المعروف بالهداية ، حتى جعلت في رأسه نارا . فهذا الإيغال البديع أكمل معنى المشبه به ، وزوّد البيت بالقافية . ومن بديع إيغال المحدثين قول مروان بن أبي حفصة : همو القوم : إن قالوا أصابوا ، وإن دعوا * أجابوا ، وإن أعطوا أطابوا وأجزلوا فقوله « وأجزلوا » إيغال في نهاية الحسن . * * * والإيغال ليس مقصورا على الشعر ، وإنما هو يجيء في الشعر والنثر على حد سواء . ومجيئه في النثر المسجوع أكثر وذلك لإتمام الفواصل وزيادة المعنى . ومن أمثلته قوله تعالى : وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ لَفاسِقُونَ . أَ فَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ . وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ . فإن الكلام تمّ بقوله تعالى : وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً ثم احتاج الكلام إلى فاصلة تناسب القرينة أو الفاصلة الأولى ، فلما أتى بها وهي لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ أفاد بها معنى زائدا ، وذلك لأنه لا يعلم أن حكم اللّه أحسن من كل حكم إلا من أيقن أنه سبحانه حكيم عادل . ومثله قوله تعالى : فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ . إِنَّكَ لا تُسْمِعُ الْمَوْتى وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ . فإن المعنى تم بقوله تعالى : وَلا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعاءَ ثم ورد ما بعد ذلك وهو إِذا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ لإتمام الكلام بالفاصلة ولإفادة معنى زائد ، هو المبالغة في