أحمد مطلوب
205
معجم المصطلحات البلاغية وتطورها
التأويلات ، فكل منهم يذهب فيه مذهبا . ومنه قول النابغة الذبياني : وإنّك كالليل الذي هو مدركي * وإن خلت أنّ المنتأى عنك واسع وتخصيصه الليل دون النهار مما يسأل عنه . ومما يجري هذا المجرى قول جرير : تمنّى رجال من تميم منيّتي * وما ذاد عن أحسابهم ذائد مثلي فلو شاء قومي كان حلمي فيهم * وكا على جهّال أعدائهم جهلي ومن هذا الضرب قول أبي نواس : ودار ندامى عطّلوها وأدلجوا * بها أثر منهم جديد ودارس مساحب من جرّ الزقاق على الثرى * وأضغاث ريحان جنيّ ويابس حبست بها صحبي فجددت عهدهم * وإنّي على أمثال تلك لحابس فللراح ما زرّت عليه جيوبها * وللماء ما دارت عليه القلانس الإيجاز الجامع : هو القسم الثالث من أقسام الإيجاز الخالي من الحذف وهو ما ذكره ابن مالك وقال : « أن يكون المعنى عندك خليقا بمزيد البسط فتتركه إلى بسط أخصر منه لتوخي نكتة » « 1 » . وذكره الطيبي في « التبيان » ونقله عنه السيوطي وقال : « هو أن يحتوي اللفظ على معان متعددة » « 2 » كقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ « 3 » فان العدل هو الصراط المستقيم المتوسط بين طرفي الافراط والتفريط المومي به إلى جميع الواجبات في الاعتقاد والأخلاق والعبودية ، والاحسان هو الاخلاص في واجبات العبودية . إيجاز الحذف : سماه أبو عبيدة « مجاز المختصر » « 4 » ، وسماه الجاحظ « الايجاز المحذوف » وسماه « الكلام المحذوف » « 5 » . وهو ما يكون بحذف كلمة أو جملة أو أكثر مع قرينة تعيّن المحذوف ، أو هو كما قال ابن الأثير : « ما يحذف منه المفرد والجملة لدلالة فحوى الكلام على المحذوف ولا يكون إلا فيما زاد معناه على لفظه » « 6 » . وقال : أمّا الايجاز بالحذف فإنّه عجيب الأمر أشبه بالسحر ، وذاك انك ترى فيه ترك الذكر أفصح من الذكر ، والصمت عن الإفادة أزيد للإفادة وتجدك أنطق ما تكون إذا لم تنطق ، وأتم ما تكون مبينا إذا لم تبيّن . وهذه جملة تنكرها حتى تخبرها وتدفعها حتى تنظر . والأصل في المحذوفات جميعا على اختلاف ضروبها أن يكون في الكلام ما يدل على المحذوف فإن لم يكن هناك دليل على المحذوف فإنه لغو من الحديث لا يجوز بوجه ولا سبب . ومن شرط المحذوف في حكم البلاغة أنّه متى أظهر صار الكلام إلى شيء غث لا يناسب ما كان عليه أولا من الطلاوة والحسن » « 7 » . وأدلة الحذف كثيرة منها : 1 - أن يدلّ العقل على الحذف والمقصود الأظهر على تعيين المحذوف كقوله تعالى : حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ « 8 » . فالعقل يدل على الحذف والمقصود الأظهر يرشد إلى أنّ التقدير : حرّم عليكم تناول الميتة والدم ولحم الخنزير ؛ لأنّ
--> ( 1 ) المصباح ص 38 . ( 2 ) شرح عقود الجمان ص 69 . ( 3 ) النحل 90 . ( 4 ) مجاز القرآن ج 2 ص 2 ، 98 . ( 5 ) الحيوان ج 3 ص 75 ، البيان ج 2 ص 278 . ( 6 ) المثل السائر ج 2 ص 78 . ( 7 ) المثل ج 2 ص 81 . ( 8 ) المائدة 3 .