أحمد مطلوب

122

معجم المصطلحات البلاغية وتطورها

ذلك فيستحب فيه الاختصار والاقتصار ، وقد أتى الكتاب العزيز بهما جميعا ، وذلك لما يصلح بالمكانين ، وقد مدحت العرب التطويل والتقصير فقالوا : يرمون الخطب الطوال وتارة * يومون مثل تلاحظ الرقباء ومدح بعضهم خطيبا فقال : إذا هو أطنب في خطبة * قضى للمطيل على المقصر وإن هو أوجز في خطبة * قضى للمقلّ على المكثر « 1 » وعرّفه الكلاعي تعريفا بديعا فقال إنّه « ما رفل ثوب لفظه على جسده معناه » « 2 » ثم قال : « موطن الاسهاب ما يكتب به إلى عامة وتقرع به آذان جماعة كالصلح بين العشائر والتحضيض على الحرب والتحذير من المعصية والترغيب في الطاعة وغير ذلك مما له بال . فحينئذ يجب على الكاتب ان يبدئ ويعيد ويحذر بالتكرير وينذر بالترديد » « 3 » . وهذا ما قاله الجاحظ وابن منقذ من قبل . الإشارة : هي الايماء عند المتقدمين لأنّ الإشارة هي الايماء يقال : أشار اليه باليد أي أومأ ، وأشار الرجل يشير إشارة إذا أومأ بيديه ، ويقال : شوّرت اليه بيدي وأشرت اليه : اي لوّحت اليه « 4 » . وعدّ الجاحظ الإشارة من أصناف الدلالات على المعاني « 5 » ، لكنه لا يريد بها المعنى البلاغي الذي ذكره قدامة في باب « ائتلاف اللفظ والمعنى » وقال « هو أن يكون اللفظ القليل مشتملا على معان كثيرة بايماء أو لمحة تدلّ عليها كما قال بعضهم وقد وصف البلاغة فقال : هي لمحة دالّة » « 6 » ، وذلك مثل قول امرئ القيس : فان تهلك شنوءة أو تبدّل * فسيري إنّ في غسّان خالا بعزهم عززت وإن يذلوا * فذلّهم أنالك ما أنالا فبنية هذا الشعر على أنّ ألفاظه مع قصرها قد أشير بها إلى معان طوال فمن ذلك قوله : « تهلك » أو « تبدل » ، ومنه قوله : إنّ في غسّان خالا » ، ومنه ما تحته معان كثيرة وشرح طويل وهو : « أنا لك ما أنالا » . وذكرها الجاحظ مرة أخرى بهذا المعنى وربطها بالوحي والحذف وقال : « ورأينا اللّه - تبارك وتعالى - إذا خاطب العرب والأعراب أخرج الكلام مخرج الإشارة والوحي والحذف ، وإذا خاطب بني إسرائيل أو حكى عنهم جعله مبسوطا وزاد في الكلام » « 7 » . وإلى ذلك ذهب العسكري « 8 » وذكر البيتين السابقين . وفعل مثله الباقلاني « 9 » ، وقال ابن رشيق : « والإشارة من غرائب الشعر وملامحه ، وبلاغته عجيبة تدل على بعد المرمى وفرط المقدرة وليس يأتي بها إلا الشاعر المبرّز والحاذق الماهر ، وهي في كل نوع من الكلام لمحة دالة واختصار وتلويح يعرف مجملا ومعناه بعيد من ظاهر لفظه » « 10 » . وعدّ من أنواع الإشارة التفخيم ، والايماء ، والتعريض ، والتلويح ، والكناية ، والتمثيل ، والرمز ، واللمحة ، واللغز ، واللحن ، والتعمية ، والحذف ، والتورية . وفعل مثل ذلك ابن سنان

--> ( 1 ) البديع في نقد الشعر ص 182 . ( 2 ) إحكام صنعة الكلام ص 89 . ( 3 ) إحكام صنعة الكلام ص 90 . ( 4 ) اللسان ( شور ) . ( 5 ) البيان ج 1 ص 76 . ( 6 ) نقد الشعر ص 174 ، حلية المحاضرة ج 1 ص 139 ، نضرة الاغريض ص 33 . ( 7 ) الحيوان ج 1 ص 94 . ( 8 ) كتاب الصناعتين ص 348 . ( 9 ) إعجاز القرآن ص 136 . ( 10 ) العمدة ج 1 ص 302 .