أبو البركات بن الأنباري

18

أسرار العربية

ثانيا منهج الأنباريّ النّحويّ في كتاب « أسرار العربيّة » يعدّ ابن الأنباريّ من متأخّري النّحاة ، وهو أحد أعلام المدرسة البغداديّة - كما هو معلوم - فطبعيّ أن يكون هذا الرّجل - بتأخّره ، وذكائه ، وإخلاصه في طلب العلم ، وباستقامته التي عرف بها طول حياته - أن يتحرّر من الأهواء ، وأن ينهج النّهج الذي يتّفق مع قناعاته ، واستنتاجاته التي توصّل إليها بعد طول مدارسة ومعاناة . وقد رأينا ابن الأنباريّ في كتابه المشهور : « مسائل الخلاف بين البصريّين والكوفيّين » ذا عين بصيرة ، وقوّة في عرض حجج كلّ من البصريّين والكوفيّين ، وغيرهم ، ومن ثمّ تفنيد الحجج التي يراها بعيدة عن الصّواب ، وتأييد الحجج التي يقتنع بها ، مبيّنا في كثير من الأحيان سبب تبنّيه لرأي دون رأي ، ولحجّة دون أخرى ، بطريقة علميّة موضوعيّة مقنعة . وهو إذ وافق البصريّين في أكثر مسائل الخلاف ، لا لانحيازه إليهم - كما يرى بعض الدّارسين « 1 » - بل لأنّه رأى آراءهم أكثر سدادا ، وحججهم أكثر إقناعا ؛ وعلى كلّ فإليه يعود الفضل في إظهار أسس كلّ مذهب من المذهبين ؛ ولا يضيره بعد ذلك اقتناعه بآراء أحد الفريقين ، ولا سيما إذا وجده الأنسب ، والأقرب إلى الصّواب وفق اعتقاده . وقد سار أبو البركات في كتاب « أسرار العربيّة » على النّهج نفسه من حيث العرض ، والتّفنيد ، والتّأييد ، وإن كان في أكثر الأبواب يؤيّد آراء البصريّين ؛ لكونها أكثر إقناعا ، وأقلّ تكلّفا . وأمّا موضوع كتاب « أسرار العربيّة » بشكل عام ، فهو العلل النّحويّة والإعرابيّة ، وأسباب تسمية مسمّيات كثير من المصطلحات النّحويّة ، وأسباب تسمية الحركات ، وصيغ الجموع ، وغير ذلك . وكان ابن الأنباريّ في منتهى

--> ( 1 ) راجع : الوسيط في تاريخ النّحو العربي ، ص 137 .