أبو البركات بن الأنباري
19
أسرار العربية
الذّكاء والعبقريّة في توليد التّساؤلات والإجابة عنها حتّى يقرّب المادة من نفوس النّاشئة ، وييسّر سبيل دخولها إلى الأذهان . وجاء هذا الكتاب في أربعة وستّين بابا ، تناولت ما له صلة في موضوع بحثه في أبواب كتب النّحاة . ولم يكن أبو البركات يستطرد على عادة النّحاة ، بل كان يطرح التّساؤل ، ثم يجيب عنه مباشرة بعبارات مركّزة واضحة ؛ كما جاء في باب « ما الكلم » ؟ على سبيل المثال : « فما الفرق بين الكلم والكلام ؟ قيل : الفرق بينهما أنّ الكلم ينطلق على المفيد ، وعلى غير المفيد ؛ وأمّا الكلام ، فلا ينطلق إلّا على المفيد خاصّة » « 1 » . وأحيانا ، كان يولّد التّساؤلات التي قد تدور على ألسنة النّاشئة والمتبحّرين على حدّ سواء ، ثمّ ينبري للإجابة عنها مستطردا استطرادا مركّزا هو أقرب إلى التّفريع منه إلى الاستطراد ؛ ليوضح الفكرة ، ويعلّل صحّة ما ذهب إليه بشاهد من الشّعر ، أو النّثر ، كما جاء في باب « التّثنية » على سبيل المثال : « إن قال قائل : ما التّثنية ؟ قيل : التّثنية صيغة مبنيّة للدّلالة على الاثنين ؛ وأصل التّثنية العطف ؛ تقول : قام الزّيدان ، وذهب العمران ؛ والأصل : قام زيد وزيد ، وذهب عمرو وعمرو إلّا أنّهم حذفوا أحدهما ، وزادوا على الآخر زيادة دالّة على التّثنية للإيجاز والاختصار ؛ والذي يدلّ على أنّ الأصل هو العطف أنّهم يفكون التّثنية في حال الاضطرار ، ويعدلون عنها إلى التّكرار ؛ كقول القائل : كأنّ بين فكّها والفكّ * فارة مسك ذبحت في سكّ « 2 » وأحيانا ، كان يصل إلى التّعليل من دون استشهاد يذكر بآية من القرآن الكريم ، أو من الحديث الشّريف ، أو من الشّعر ، وإنّما يلجأ إلى الاستنتاج والمنطق ، كما نلحظ ذلك في باب « العطف » على سبيل الذّكر لا الحصر : « إن قال قائل : كم حروف العطف ؟ قيل : تسعة ؛ الواو ، والفاء ، وأو ، ولا ، وثمّ ، وبل ، ولكن ، وأم ، وحتّى . فإن قيل : فلم كان أصل حروف العطف الواو ؟ قيل : لأنّ الواو لا تدلّ على أكثر من الاشتراك فقط ، وأمّا غيرها من الحروف ، فتدلّ على الاشتراك ، وعلى معنى زائد على ما سنبيّن . وإذا كانت هذه الحروف تدلّ على زيادة معنى ليس في الواو ؛ صارت الواو بمنزلة الشّيء
--> ( 1 ) أسرار العربيّة ، ص 35 . ( 2 ) أسرار العربيّة ، ص 61 .