أحمد مصطفى المراغي
50
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع )
( 3 ) المنكر للحكم ، وهذا يجب أن يؤكد له الكلام بقدر إنكاره ، قوه وضعفا ، ذاك أن المتكلم أحوج ما يكون إلى الزيادة في تثبيت خبره إذا كان هناك من ينكره ويدفع صحته ، فهو حينئذ يبالغ في تأكيده حتى يزيل إنكاره ، يدل على ذلك ما قصه اللّه تعالى علينا حكاية عن رسل عيسى عليه السّلام حين بعثهم إلى أهل أنطاكية فكذبوهم فقالوا لهم في المرة الأولى : إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ " 1 " وفي الثانية : رَبُّنا يَعْلَمُ إِنَّا إِلَيْكُمْ لَمُرْسَلُونَ " 2 " فأكدوا لهم أولا بأن واسمية الجملة ، وثانيا بالقسم ( إذ ربنا يعلم في حكم ، علم اللّه وشهد اللّه ) وان اللام والجملة الاسمية لما رأوا من شديد إنكارهم ، ويسمى هذا الضرب إنكاريا " 3 " . والجري على هذا المنهج والسير على تلك الطريق في الأضرب الثلاثة يسمى : إخراج الكلام على مقتضى الظاهر . وقد يلاحظ المتكلم اعتبارات أخرى خفية ، فيخرج كلامه على اعتبارها ، ويسمى ذلك إخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر ، ولذلك صور كثيرة ، منها : ( 1 ) أن ينزل غير السائل منزلة السائل ، فيؤكد له الكلام إذا تقدم ما يشير إلى حكم الخبر فتستشرف نفسه وتتطلع اليه استشراف الطالب المتردد ، وذلك كثير في القرآن الكريم وكلام العرب ، نحو قوله تعالى : وَلا تُخاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ " 4 " فحين تقدم قوله : واصنع الفلك بأعيننا ، وقوله : ولا تخاطبني ، صار المقام مقام تردد بأن القوم هل حكم عليهم بالإغراق ؟ فقيل : إنهم مغرقون ، وقوله تعالى : يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ " 5 " . وقوله : وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ " 6 " .
--> ( 1 و 2 ) سورة يس الآية 14 و 16 . ( 3 ) واعتبارات النفي كاعتبارات الاثبات فيجرد عن المؤكدات في الابتدائي ويقوي بموكد استحسانا في الطلبي ويجب التوكيد في الانكاري . ( 4 ) سورة المؤمنون الآية 27 . ( 5 ) سورة الحج الآية 1 ، فان أمرهم بالتقوى يشير إلى جنس الخبر الآتي بعده وأن هناك أهوالا تؤمن التقوى من فزعها في ذلك اليوم ، فكان المقام مقام تردد في أنه هل هناك أمامهم أمر مهم يقع لهم أن لم يتقوا ، فقيل أن زلزلة الخ ، وهكذا يقال فيما بعده . ( 6 ) سورة التوبة الآية 103 .