أحمد مصطفى المراغي

51

علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع )

وقول بعض العرب : فغنها وهي لك الفداء * إن عناء الإبل الحداء وقول بشار : بكرا صاحبي قبل الهجير * إن ذاك النجاح في التكبير ( 2 ) أن ينزل من لا ينكر الخبر منزلة من ينكره تهكما به إذا لاح عليه شيء من أمارات الإنكار كقول حجل بن نضلة القيسي ، وهو من أولاد عم شقيق : جاء شقيق عارضا رمحه * إن بني عمك فيهم رماح فمجيء شقيق هكذا مدلا بنفسه معجبا بشجاعته ، واضعا رمحه عرضا " 1 " ، دليل على صلفه وزهوه ببسالته ، واعتقاده أنه لن يجد مقاوما من بني عمه ، حتى كأنهم عزل ليس معهم ما يدافعون به ، ومن ثم نزله منزلة المنكر ، وخاطبه بالشطر الثاني خطاب التفات بعد غيبة ، تهكما به ، ورميا له بالنزق ، وخرق الرأي . ( 3 ) أن يجعل المنكر كأنهم غير منكر ، فلا يعتد بإنكاره ، لأن أمامه من الدلائل الساطعة والبراهين القاطعة ، ما فيه مقنع له لو أزال تلك الغشاوة عن عينيه والتفت إلى ما يحيط به ، وعليه قوله تعالى خطابا لمنكري الوحدانية : وَإِلهُكُمْ إِلهٌ واحِدٌ " 2 " إذ العقل قاض بأن تعدد الآلهة يقتضي تخالف أفعالهم لاختلاف علومهم وإرادتهم ، وكل منهم له التصرف في السماوات والأرض ، والقدرة على إيجاد الممكنات فتتضارت أفعالهم ويفسد نظام الكون ، والمشاهد أنه على أتم نظام ، فهو الواحد لا شريك له . ( 4 ) أن ينزل العالم بالفائدة ولازمها منزلة الجاهل لعدم جريه على موجب العلم ( وهو العمل به ) كما تقول لمن يسيء إلى أبيه ويقسو عليه : هذا أبوك فأحسن اليه . فكأنك تقول له : إن هذه المعاملة لتدل على أنك تجهل أبوته لك . وهذا كله اعتبارات الإثبات ، وقس عليه اعتبارات النفي كقولك : ليس زيد منطلقا وبمنطلق ، وو اللّه ليس على المنطلق ، وهكذا .

--> ( 1 ) بأن يجعل الرمح على فخذيه وهو راكب بحيث يكون عرضه جهة العدو . ( 2 ) سورة البقرة الآية 163 .