أحمد مصطفى المراغي
26
علوم البلاغة ( البيان والمعاني والبديع )
( ب ) ما كان فيه بعض الثقل كقول أبي تمام : كريم متى أمدحه أمدحه والورى * معي وإذا ما لمته لمته وحدى " 1 " وقول المتنبي : كيف ترثي التي ترى كل جفن * راءها غير جفنها غير راقي " 2 " فتكرار الحاء والهاء المتقاربتي المخرج في بيت أبي تمام ، والجيم والراء في أكثر كلمات بيت المتنبي ، أوجب الثقل فيهما . وقال بعض الوعاظ في كلام أورده : ( حتى جنأت وجنات جنّات الحبيب ) فلما سمعه بعض الحاضرين صاح وقال : سمعت جيما في جيم فصحت . 2 - إيراد أفعال يتبع بعضها بعضا بدون عطف ، سواء اختلفت بين المضي والاستقبال نحو قول القاضي الأرجاني يحدث عن الشمع : بالنار فرقت الحوادث بيننا * وبها نذرت أعود أقتل روحي " 3 " أم لم تختلف كقول المتنبي يمدح سيف الدولة : أفل أنل أقطع احمل على سل أعد * زدهش بش تفضل أدن سر صل " 4 " فورود نذرت أعود أقتل متتابعة على تلك الشاكلة في البيت الأول جاء ثقيلا متعاظلا ، كما أن مجيء أفعال الأمر متكررة في البيت الثاني جعل للثقل فيها حظا عظيما ، فإن جاءت الأفعال مع حرف العطف لم تكن في الثقل كالأول نحو قول عبد السّلام بن رغبان المعروف بديك الجن : أحل وامرر وضر وانفع ولن وأخشن وأبرر ثم انتدت للمعالي " 5 " .
--> ( 1 ) وفيه عيب آخر وهو مقابلة المدح باللوم وأنما يقابل بالذم ، وكأنه أراد أن ينفي الذم عنه بنفيه اللوم بالطريق الأولى . ( 2 ) وراءها رآها فحصل فيه إعلال بالقلب بتقديم الألف وتأخير الهمزة ورقا الدمع والدم انقطع ، يريد أنها لا ترحم باكيا لأنها تحسب الدمع في أجفان العشاق خلقيا . ( 3 ) يقول بلسان الشمع أنه ألف العسل وهو أخوه الذي ربي معه لكن النار فرقت بينه ، وأنه نذر أن يقتل نفسه بها أيضا من ألم الفراق . ( 4 ) أقل من الإقالة وأقطع من الأقطاع لأرض ونحوها وعل من العلو وصل ، أي بالعطية . ( 5 ) أبرر من قولهم أبر اليمين أمضاها على الصدق وانتدب لكذا ساسها .