ابن هشام الأنصاري
79
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
وزعم أن بناء المثنى إذا كان مفرده مبنيّا أفصح من إعرابه ، قال : وقد تفطّن لذلك غير واحد من حذّاق النّحاة . ثم اعترض على نفسه بأمرين ؛ أحدهما : أن السبعة أجمعوا على البناء في قوله تعالى : إِحْدَى ابْنَتَيَّ هاتَيْنِ [ القصص ، 27 ] مع أن « هاتين » تثنية « هاتا » وهو مبني ، والثاني : أن « الذي » مبني ، وقد قالوا في تثنيته الّذين في الجر والنصب ، وهي لغة القرآن كقوله تعالى : رَبَّنا أَرِنَا الَّذَيْنِ أَضَلَّانا [ فصلت ، 29 ] . وأجاب عن الأول بأنه إنما جاء « هاتين » بالياء على لغة الإعراب لمناسبة « ابنتيّ » قال : فالإعراب هنا أفصح من البناء ؛ لأجل المناسبة ، كما أن البناء في إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [ البقرة ، 248 ] أفصح من الإعراب ؛ لمناسبة الألف في « هذان » للألف في ساحران . وأجاب عن الثاني بالفرق بين « اللذان » و « هذان » بأن « اللذان » تثنية اسم ثلاثي ؛ فهو شبيه ب « الزيدان » ، و « هذان » تثنية اسم على حرفين ؛ فهو عريق في البناء لشبهه بالحروف . قال رحمه اللّه تعالى : وقد زعم قوم أن قراءة من قرأ ( إن هذان ) لحن ، وأن عثمان رضي اللّه عنه قال : إن في المصحف لحنا وستقيمه العرب بألسنتها ، وهذا خبر باطل لا يصح من وجوه : أحدها : أن الصحابة رضي اللّه عنهم كانوا يتسارعون إلى إنكار أدنى المنكرات ، فكيف يقرّون اللحن في القرآن ، مع أنهم لا كلفة عليهم في إزالته ؟ والثاني : أن العرب كانت تستقبح اللحن غاية الاستقباح في الكلام ، فكيف لا يستقبحون بقاءه في المصحف ؟ والثالث : أن الاحتجاج بأن العرب ستقيمه بألسنتها غير مستقيم ؛ لأن المصحف الكريم يقف عليه العربيّ والعجميّ ! الرابع : أنه قد ثبت في الصحيح أن زيد بن ثابت أراد أن يكتب ( التَّابُوتُ ) بالهاء على لغة الأنصار فمنعوه من ذلك ، ورفعوه إلى عثمان - رضي اللّه عنهم - وأمرهم أن يكتبوه بالتاء على لغة قريش ، ولما بلغ عمر رضي اللّه عنه أن ابن مسعود رضي اللّه عنه