ابن هشام الأنصاري
80
شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب
قرأ « عتّى حين » [ يوسف ، 35 ] على لغة هذيل أنكر ذلك عليه ، وقال : أقرئ الناس بلغة قريش ؛ فإن اللّه تعالى إنما أنزله بلغتهم ، ولم ينزله بلغة هذيل ، انتهى كلامه ملخصا . وقال المهدوي في شرح الهداية : وما روي عن عائشة - رضي اللّه عنها - من قولها : « إن في القرآن لحنا ستقيمه العرب بألسنتها » لم يصح ، ولم يوجد في القرآن العظيم حرف واحد إلا وله وجه صحيح في العربية ، وقد قال اللّه تعالى : لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ [ فصلت ، 42 ] والقرآن محفوظ من اللحن والزيادة والنقصان ، انتهى . وهذا الأثر إنما هو مشهور عن عثمان رضي اللّه عنه ، كما تقدم من كلام ابن تيميّة رحمه اللّه ، لا عن عائشة رضي اللّه عنها كما ذكره المهدويّ ، وإنما المرويّ عن عائشة ما رواه الفرّاء عن أبي معاوية عن هشام بن عروة عن أبيه أنها رضي اللّه عنها سئلت عن قوله تعالى في سورة النساء وَالْمُقِيمِينَ الصَّلاةَ [ النساء ، 162 ] بعد قوله : لكِنِ الرَّاسِخُونَ وعن قوله تعالى في سورة المائدة : إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ [ المائدة ، 69 ] ، وعن قوله تعالى في سورة طه : إِنْ هذانِ لَساحِرانِ [ طه ، 62 ] فقالت : يا ابن أخي ، هذا خطأ من الكاتب - روى هذه القصّة الثعلبيّ وغيره من المفسرين ، وهذا أيضا بعيد الثبوت عن عائشة رضي اللّه عنها ؛ فإن هذه القراءات كلها موجّهة كما مرّ في هذه الآية ، وكما سيأتي إن شاء اللّه تعالى في الآيتين الأخيرتين عند الكلام على الجمع ، وهي قراءة جميع السبعة في ( الْمُقِيمِينَ ) و ( الصَّابِئُونَ ) وقراءة الأكثر في ( إِنْ هذانِ ) فلا يتّجه القول بأنها خطأ ؛ لصحتها في العربية وثبوتها في النّقل « 1 » . [ يلحق بالمثنى خمسة ألفاظ ] ثم قلت : وألحق به اثنان ، واثنتان ، وثنتان مطلقا وكلا وكلتا مضافين إلى مضمر .
--> ( 1 ) قد أجاب الأديب النحوي الأندلسي أبو زكريا يحيى بن علي بن سلطان اليفرني الملقب ب « جبل النحو » عن هذه الآية الكريمة بجواب آخر ، وحاصله أن « إن » مؤكدة تعمل النصب والرفع ؛ و « ها » اسم إن ، وهو ضمير القصة ، و « ذان » مبتدأ ، و « لساحران » خبر المبتدأ ، وجملة المبتدأ وخبره في محل رفع خبر إن - وأقول : يعترض على هذا التخريج باعتراضين : الأول : أن هذا التخريج كان يقتضي أن يكتب في المصحف « إنها ذان لساحران » فأما وقد كتبت « إِنْ هذانِ لَساحِرانِ » فإنه يلزم اعتبار « ها » جزءا من « هذان » ويكون حرف تنبيه ، والاعتراض الثاني : أن دخول اللام على خبر المبتدأ ضعيف فلا يجوز تخريج القرآن عليه ، ويمكن أن يجاب عن الأول بأن خط المصحف ليس جاريا على قياس الكتابة العربية المصطلح عليها ، ولهذا لا يجوز أن يقاس عليه ، وعن