ابن هشام الأنصاري

78

شرح شذور الذهب في معرفة كلام العرب

راكبها ، و « إنّ » التي بمعنى نعم لا تعمل شيئا ، كما أن نعم كذلك ، ف ( هذانِ ) مبتدأ مرفوع بالألف ، و ( لَساحِرانِ ) خبر لمبتدأ محذوف ، أي : لهما ساحران ، والجملة خبر ( هذانِ ) ولا يكون ( لَساحِرانِ ) خبر ( هذانِ ) لأن لام الابتداء لا تدخل على خبر المبتدأ . والثالث : أن الأصل إنّه هذان لهما ساحران ؛ فالهاء ضمير الشأن ، وما بعدها مبتدأ وخبر ، والجملة في موضع رفع على أنها خبر « إنّ » ثم حذف المبتدأ وهو كثير ، وحذف ضمير الشأن كما حذف من قوله صلّى اللّه عليه وسلّم : « إنّ من أشدّ النّاس عذابا يوم القيامة المصوّرون » « 1 » ، ومن قول بعض العرب : « إنّ بك زيد مأخوذ » . الرابع : أنه لما ثنّي « هذا » اجتمع ألفان : ألف هذا ، وألف التثنية ؛ فوجب حذف واحدة منهما لالتقاء الساكنين ؛ فمن قدّر المحذوفة ألف « هذا » والباقية ألف التثنية قلبها في الجرّ والنصب ياء ، ومن قدّر العكس لم يغير الألف عن لفظها . الخامس : أنه لما كان الإعراب لا يظهر في الواحد - وهو « هذا » - جعل كذلك في التثنية ؛ ليكون المثنى كالمفرد ؛ لأنه فرع عليه . واختار هذا القول الإمام العلامة تقيّ الدين أبو العباس أحمد بن تيميّة رحمه اللّه ،

--> ( 1 ) لا يجوز أن تكون « إن » في هذا الحديث عاملة النصب والرفع في المذكور من الكلام ، على أية لغة من لغات العرب ؛ إذ لو كانت عاملة في المذكور لكانت الرواية : « إن من أشد الناس عذابا يوم القيامة المصورين » على أن يكون قوله : « المصورين » اسم إن منصوبا بالياء لأنه جمع مذكر سالم ، ولا يجوز أن تكون مهملة لأنها لا تهمل وهي مشددة مؤكدة ، فلزم أن يكون اسمها ضمير شأن محذوفا ، والمذكور في الكلام جملة من مبتدأ وخبر في محل رفع خبر إن . ومن مجيء اسمها ضمير شأن محذوفا قول الأخطل التغلبي : إنّ من يدخل الكنيسة يوما * يلق فيها جآذرا وظباء إذ لا يجوز أن يكون « من » اسمها ؛ لكونه اسم شرط ، وأسماء الشرط لا يعمل ما قبلها فيما بعدها ولا يعمل فيها ما قبلها ؛ لأنها تقطع ما قبلها عما بعدها ، ولأن لها صدر الكلام .