الخطيب القزويني

31

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )

وكذلك ينزّل غير المنكر منزلة المنكر ؛ إذا ظهر عليه شيء من أمارات الإنكار ، كقوله : جاء شقيق عارضا رمحه * إنّ بني عمّك فيهم رماح " 1 " فإن مجيئه هكذا ، مدلّا بشجاعته ، قد وضع رمحه عارضا ؛ دليل على إعجاب شديد منه ، واعتقاد أنه لا يقوم إليه من بني عمه أحد ، كأنهم كلهم عزل ليس مع أحد منهم رمح . وكذلك ينزّل المنكر منزلة غير المنكر ، إذا كان معه ما إن تأمّله ارتدع عن الإنكار ، كما يقال لمنكر الإسلام : " الإسلام حق " وعليه قوله تعالى في حق القرآن : لا رَيْبَ فِيهِ [ البقرة : الآية 2 ] . ومما يتفرع على هذين الاعتبارين قوله تعالى : ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ ( 15 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ تُبْعَثُونَ ( 16 ) [ المؤمنون : الآيتان 15 ، 16 ] أكد إثبات الموت تأكيدين - وإن كان مما لا ينكر - لتنزيل المخاطبين منزلة من يبالغ في إنكار الموت ؛ لتماديهم في الغفلة ، والإعراض عن العمل لما بعده ، ولهذا قيل : " ميّتون " دون " تموتون " كما سيأتي الفرق بينهما ، وأكد إثبات البعث تأكيدا واحدا - وإن كان مما ينكر - لأنه لما كانت أدلته ظاهرة كان جديرا بأن لا ينكر . بل إما أن يعترف به ، أو يتردد فيه ؛ فنزّل المخاطبون منزلة المترددين ، تنبيها لهم على ظهور أدلته ، وحثّا على النظر فيها ، ولهذا جاء " تبعثون " على الأصل . هذا كله اعتبارات الإثبات ، وقس عليه اعتبارات النفي ، كقولك : " ليس زيد ، أو ما زيد ؛ منطلقا ، أو بمنطلق " و " واللّه ليس زيد ، أو ما زيد ، منطلقا ، أو بمنطلق " و " ما ينطلق ، أو ما إن ينطلق ؛ زيد " ، و " ما كان زيد ينطلق " و " ما كان زيد لينطلق " و " لا ينطلق زيد " و " لن ينطلق زيد " و " واللّه ما ينطلق ، أو ما إن ينطلق ؛ زيد " . فصل الحقيقة العقلية والمجاز العقلي الإسناد منه حقيقة عقلية ، ومنه مجاز عقلي . أما الحقيقة فهي إسناد الفعل ، أو معناه ، إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر

--> ( 1 ) البيت من السريع ، وهو لحجل بن نضلة الباهلي في دلائل الإعجاز ص 304 ، 312 ، والمصباح لبدر الدين بن مالك ( 6 ) .