الخطيب القزويني
30
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )
بغاية الإعظام ، ثم يقولان : يا أبا معاذ ، ما أحدثت ؟ فيخبرهما وينشدهما ، ويكتبان عنه متواضعين له ، حتى يأتي وقت الزوال ، ثم ينصرفان ، فأتياه يوما فقالا : ما هذه القصيدة التي أحدثتها في ابن قتيبة " 1 " ؟ قال : هي التي بلغتكما . قالا : بلغنا أنك أكثرت فيها من الغريب ، قال : نعم ، إن ابن قتيبة يتباصر بالغريب ، فأحببت أن أورد عليه ما لا يعرف ، قالا : فأنشدناها يا أبا معاذ ، فأنشدهما : بكّرا صاحبيّ قبل الهجير * إنّ ذاك النجاح في التبكير " 2 " حتى فرغ منها ، فقال له خلف : لو قلت يا أبا معاذ مكان إن ذاك النجاح : بكّرا فالنجاح ؛ كان أحسن ، فقال بشار : إنما بنيتها أعرابيّة وحشية ، فقلت : إن ذاك النجاح ، كما يقول الأعراب البدويون ، ولو قلت : بكرا فالنجاح ؛ كان هذا كلام المولّدين ، ولا يشبه ذلك الكلام ، ولا يدخل في معنى القصيدة ، قال : فقام خلف ، فقبل بين عينيه ؛ فهل كان ما جرى بين خلف وبشار بمحضر من أبي عمرو بن العلاء - وهم من فحولة هذا الفن - إلا للطف المعنى في ذلك وخفائه ؟
--> - محيصن ، وغيرهم . وروى عنه كثير منهم عبد اللّه بن المبارك ، ويحيى بن المبارك اليزيدي وغيرهما ، ولد بمكة سنة 68 ه ، وتوفي سنة 154 ه . ( شذرات الذهب 1 / 237 ، غاية النهاية 1 / 288 ) . خلف : هو خلف بن حيان ، أبو محرز البصري المعروف بخلف الأحمر ، توفي سنة 180 ه ، صنف كتاب خيال العرب وما قيل فيه من الشعر . ( كشف الظنون 5 / 348 ، وانظر ترجمته في : مراتب النحويين 46 ، طبقات النحويين 161 ، نزهة الألباء 37 ، إنباه الرواة 1 / 348 ، بغية الوعاة 242 ) . هو أبو معاذ ، بشار بن برد ، شاعر ، راجز ، شجاع ، خطيب ، صاحب منثور ومزدوج ، له رسائل معروفة ، هكذا وصفه الجاحظ ، أصله من طخارستان من سبي المهلب بن أبي صفرة ، يلقب بالمرعّث ، لقب بذلك لأنه كانت في أذنه حلقة في صغره ( والمرعّث : الذي في أذنه رعاث ، وهو جمع رعثة وهي القرط ) ، رمي بشار بن برد بالزندقة ، ويروى أنه كان يفضّل النار على الأرض ، ويصوب رأي إبليس في امتناعه من السجود لآدم ، ونسب إليه القول : الأرض مظلمة والنار مشرقة * والنار معبود مذ كانت النار فأمر المهدي العباسي بضربه ، فضرب سبعين سوطا ، فمات من ذلك سنة 168 ه ، وقيل سنة 167 ه ، وكان قد هجا المهدي ( معجم الشعراء المخضرمين والأمويين ص 60 - 61 ) . ( 1 ) ابن قتيبة : ليس هو ابن قتيبة الدينوري ، لأنه لم يعاصر الأعلام السابق ذكرهم ، فقد توفي ابن قتيبة الدينوري سنة 276 ه ، والفارق بينهم مائة سنة على الأقل . وهو سلم بن قتيبة والي أبي جعفر المنصور على البصرة . ( 2 ) البيت من الخفيف ، وهو في ديوان بشار ص 121 ، ( طبعة دار الثقافة ) ، ودلائل الإعجاز ص 272 ، 316 ، 323 ، والإشارات والتنبيهات للجرجاني ص 31 ، والأغاني 3 / 185 .