الخطيب القزويني
25
الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )
تنبيه اختلف الناس في انحصار الخبر في الصادق والكاذب فذهب الجمهور إلى أنه منحصر فيهما ، ثم اختلفوا فقال الأكثر منهم : صدقه مطابقة حكمه للواقع ، وكذبه عدم مطابقة حكمه له . هذا هو المشهور وعليه التعويل . وقال بعض الناس : صدقه مطابقة حكمه لاعتقاد المخبر صوابا كان أو خطأ ، وكذبه عدم مطابقة حكمه له واحتجّ بوجهين : أحدهما : أن من اعتقد أمرا فأخبر به ثم ظهر خبره بخلاف الواقع يقال : ما كذب ، ولكنه أخطأ ، كما روي عن عائشة رضي اللّه عنها قالت فيمن شأنه كذلك : " ما كذب ولكنه وهم " . وردّ بأن المنفي تعمّد الكذب ، لا الكذب ، بدليل تكذيب الكافر - كاليهودي - إذا قال : الإسلام باطل ، وتصديقه إذا قال : الإسلام حق ، فقولها : " ما كذب " متأوّل بما كذب عمدا . الثاني : قوله تعالى : وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ [ المنافقون : الآية 1 ] كذّبهم في قولهم : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون : الآية 1 ] وإن كان مطابقا للواقع ؛ لأنهم لم يعتقدوه . وأجيب عنه بوجوه : أحدها : أن المعنى نشهد شهادة واطأت فيها قلوبنا ألسنتنا ، كما يترجم عنه " إنّ " واللام ، وكون الجملة اسمية في قولهم إِذا جاءَكَ الْمُنافِقُونَ قالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنافِقِينَ لَكاذِبُونَ ( 1 ) [ المنافقون : الآية 1 ] فالتكذيب في قولهم " نشهد " وادعائهم فيه المواطأة ، لا في قولهم : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون : الآية 1 ] . وثانيها : أن التكذيب في تسميتهم إخبارهم شهادة ؛ لأن الإخبار إذا خلا عن المواطأة لم يكن شهادة في الحقيقة . وثالثها : أن المعنى لكاذبون في قولهم : إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ [ المنافقون : الآية 1 ] عند أنفسهم ؛ لاعتقادهم أنه خبر على خلاف ما عليه حال المخبر عنه . وأنكر الجاحظ انحصار الخبر في القسمين ، وزعم أنه ثلاثة أقسام : صادق ، وكاذب ، وغير صادق ولا كاذب ، لأن الحكم إما مطابق للواقع مع اعتقاد المخبر لو أو عدمه . وإما غير مطابق مع الاعتقاد أو عدمه ؛ فالأول - أي المطابق مع الاعتقاد - هو الصادق ، والثالث - أي غير المطابق مع الاعتقاد - هو الكاذب ، والثاني والرابع - أي