الخطيب القزويني

26

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )

المطابق مع عدم الاعتقاد ، وغير المطابق مع عدم الاعتقاد - كل منهما ليس بصادق ولا كاذب . فالصدق عنده : مطابقة الحكم للواقع مع اعتقاده . والكذب : عدم مطابقته مع اعتقاده ، وغيرهما ضربان : مطابقته مع عدم اعتقاده ، وعدم مطابقته مع عدم اعتقاده . واحتج بقوله تعالى : أَفْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ : الآية 8 ] فإنهم حصروا دعوى النبي صلّى اللّه عليه وسلّم الرسالة في الافتراء والإخبار حال الجنون ، بمعنى امتناع الخلو ، وليس إخباره حال الجنون كذبا ؛ لجعلهم الافتراء في مقابلته ، ولا صدقا ؛ لأنهم لم يعتقدوا صدقه . فثبت أن من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب . وأجيب عنه بأن الافتراء هو الكذب عن عمد ؛ فهو نوع من الكذب ؛ فلا يمتنع أن يكون الإخبار حال الجنون كذبا أيضا ؛ لجواز أن يكون نوعا آخر من الكذب ، وهو الكذب لا عن عمد ؛ فيكون التقسيم للخبر الكاذب ، لا للخبر مطلقا ، والمعنى افترى أم لم يفتر ؟ وعبّر عن الثاني بقوله : أَمْ بِهِ جِنَّةٌ [ سبأ : الآية 8 ] لأن المجنون لا افتراء له . * * * تنبيه آخر : وهو مما يجب أن يكون على ذكر الطالب لهذا العلم - قال السكاكي : ليس من الواجب في صناعة - وإن كان المرجع في أصولها وتفاريعها إلى مجرد العقل - أن يكون الدخيل فيها كالناشىء عليها في استفادة الذوق منها . فكيف إذا كانت الصناعة مستندة إلى تحكّمات وضعية واعتبارات إلفيّة ؟ فلا على الدخيل في صناعة علم المعاني أن يقلّد صاحبه في بعض فتاواه إن فاته الذوق هناك ، إلى أن يتكامل له على مهل موجبات ذلك الذوق . وكثيرا ما يشير الشيخ عبد القاهر في " دلائل الإعجاز " إلى هذا ، كما ذكر في موضع ما تلخيصه هذا : اعلم أنه لا يصادف القول في هذا الباب موقعا من السامع ، ولا يجد لديه قبولا ، حتى يكون من أهل الذوق والمعرفة ، وحتى يكون ممن تحدّثه نفسه بأنّ لما نومىء إليه من الحسن أصلا ، فيختلف الحال عليه عند تأمل الكلام ؛ فيجد الأريحيّة تارة ويعرى منها أخرى . وإذا عجّبته تعجب ، وإذا نبهته لموضع المزية انتبه . فأما من كانت الحالان عنده على سواء ، وكان لا يتفقد من أمر النظم إلا الصحة المطلقة ، وإلا إعرابا ظاهرا ، فليكن عندك بمنزلة من عدم الطبع التي يدرك به وزن الشعر ، ويميز به مزاحفة من سالمه ، في أنك لا تتصدّى لتعريفه ؛ لعلمك أنه قد عدم الأداة التي بها يعرف .