الخطيب القزويني

21

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )

ثم نقل عن الجاحظ " 1 " في ذلك كلاما منه قوله : والمعاني مطروحة في الطريق يعرفها العجمي والعربي والقروي والبدوي ، وإنما الشأن في إقامة الوزن ، وتخير اللفظ ، وسهولة المخرج ، وصحة الطّبع ، وكثرة الماء ، وجودة السّبك . ثم قال : ومعلوم أن سبيل الكلام سبيل التصوير والصّياغة ، وأن سبيل المعنى الذي يعبّر عنه سبيل الشيء الذي يقع التصوير فيه ، كالفضة والذهب يصاغ منهما خاتم أو سوار ، فكما أنه محال - إذا أردت النظر في صوغ الخاتم وجودة العمل ورداءته - أن تنظر إلى الفضّة الحاملة لتلك الصورة ، أو الذهب الذي وقع فيه ذلك العمل ؛ كذلك محال - إذا أردت أن تعرف مكان الفضل والمزيّة في الكلام - أن تنظر في مجرد معناه ، وكما ( أنّا ) لو فضلنا خاتما على خاتم ، بأن تكون فضّة هذا أجود ، أو فصّه أنفس ؛ لم يكن ذلك تفضيلا له من حيث هو خاتم ، كذلك ينبغي إذا فضّلنا بيتا على بيت من أجل معناه ، أن لا يكون ذلك تفضيلا له من حيث هو شعر وكلام . هذا لفظه ، وهو صريح في أن الكلام - من حيث هو كلام - لا يوصف بالفضيلة باعتبار شرف معناه ، ولا شك أن الفصاحة من صفاته الفاضلة ، فلا تكون راجعة إلى المعنى ، وقد صرّح فيما سبق بأنها راجعة إلى المعنى دون اللفظ ؛ فالجمع بينهما بما قدمناه ، بحمل كلامه حيث نفى أنها من صفات اللفظ على أنها من صفات المفردات من غير اعتبار التركيب ، وحيث أثبت أنها من صفاته على أنها من صفاتها باعتبار إفادته المعنى عند التركيب . وللبلاغة طرفان : أعلى إليه تنتهي ، وهو حدّ الإعجاز وما يقرب منه ، وأسفل منه تبتدىء ، وهو ما إذا غيّر الكلام عنه إلى ما هو دونه التحق عند البلغاء بأصوات الحيوانات وإن كان صحيح الإعراب . وبين الطرفين مراتب كثيرة متفاوتة . وإذ قد عرفت معنى البلاغة في الكلام ، وأقسامها ، ومراتبها ؛ فاعلم أنه يتبعها وجوه كثيرة - غير راجعة إلى مطابقة مقتضى الحال ، ولا إلى الفصاحة - تورث الكلام حسنا وقبولا . وأما بلاغة المتكلم فهي : ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ . وقد علم بما ذكرنا أمران ، أحدهما : أن كل بليغ - كلاما كان أو متكلما - فصيح ، وليس كل فصيح بليغا ، الثاني : أن البلاغة في الكلام مرجعها إلى الاحتراز عن الخطأ

--> ( 1 ) الجاحظ : تقدمت ترجمته .