الخطيب القزويني

18

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )

بالجمود ، لظنّه أن الجمود خلوّ العين من البكاء مطلقا من غير اعتبار شيء آخر ، وأخطأ ، لأن الجمود خلوّ العين من البكاء في حال إرادة البكاء منها ؛ فلا يكون كناية عن المسرة ، وإنما يكون كناية عن البخل ، كما قال الشاعر : ألا إنّ عينا لم تجد يوم واسط * عليك بجاري دمعها لجمود " 1 " ولو كان الجمود يصلح أن يراد به عدم البكاء في حال المسرة لجاز أن يدعى به للرجل ، فيقال : لا زالت عينك جامدة ، كما يقال : لا أبكى اللّه عينك ، وذلك مما لا يشك في بطلانه ، وعلى ذلك قول أهل اللغة : " سنة جماد " لا مطر فيها ، و " ناقة جماد " لا لبن لها ، فكما لا تجعل السنة والناقة جمادا إلا على معنى أن السنة بخيلة بالقطر ، والناقة لا تسخو بالدّرّ ، لا تجعل العين جمودا إلا وهناك ما يقتضي إرادة البكاء منها ، وما يجعلها إذا بكت محسنة موصوفة بأنها قد جادت ، وإذا لم تبك مسيئة وموصوفة بأنها قد ضنّت . فالكلام الخالي عن التعقيد المعنوي ما كان الانتقال من معناه الأول إلى معناه الثاني الذي هو المراد به ظاهرا ، حتى يخيّل إلى السامع أنه فهمه من حاق اللفظ . كما سيأتي من الأمثلة المختارة للاستعارة والكناية . وقيل : فصاحة الكلام هي خلوصه مما ذكر ، ومن كثرة التكرار ، وتتابع الإضافات ، كما في قول أبي الطيب : سبوح لها منها عليها شواهد " 2 " وفي قول ابن بابك : حمامة جرعا حومة الجندل اسجعي " 3 " وفيه نظر ؛ لأن ذلك إن أفضى باللفظ إلى الثّقل على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بما تقدم ، وإلا فلا تخلّ بالفصاحة ، وقد قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : " الكريم ابن الكريم ابن

--> ( 1 ) البيت من البسيط ، وهو لأبي عطاء السندي في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1 / 151 ، ودلائل الإعجاز ص 269 ، والإشارات والتنبيهات ص 12 . ( 2 ) صدر البيت : وتسعدني في غمرة بعد غمرة والبيت من الطويل ، وهو في ديوان المتنبي 2 / 70 ( طبعة دار الكتب العلمية ) . ( 3 ) عجز البيت : فأنت بمرأى من سعاد ومسمع والبيت من الطويل ، وهو بلا نسبة في تاج العروس ( جندل ) .