الخطيب القزويني

17

الإيضاح في علوم البلاغة ( ط دار الكتب العلمية )

أحدهما : ما يرجع إلى اللفظ ، وهو أن يختل نظم الكلام ، ولا يدري السامع كيف يتوصل منه إلى معناه ، كقول الفرزدق : وما مثله في الناس إلّا مملّكا * أبو أمّه حيّ أبوه يقاربه " 1 " كان حقّه أن يقول : وما مثله في الناس حيّ يقاربه إلا مملّكا أبو أمه أبوه ، فإنه مدح إبراهيم بن هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك بن مروان ، فقال : وما مثله - يعني إبراهيم الممدوح - في الناس حيّ يقاربه ، أي أحد يشبهه في الفضائل ، إلا مملّكا ، يعني هشاما ، أبو أمّه ، أي أبو أمّ هشام أبوه ، أي أبو الممدوح ؛ فالضمير في " أمه " للمملّك . وفي " أبوه " للممدوح ، ففصل بين " أبو أمه " وهو مبتدأ و " أبوه " وهو خبره ب " حيّ " وهو أجنبي ، وكذا فصل بين " حي " و " يقاربه " وهو نعت حي ب " أبوه " وهو أجنبي ، وقدّم المستثنى على المستثنى منه ؛ فهو كما تراه في غاية التعقيد . فالكلام الخالي من التعقيد اللفظي ما سلم نظمه من الخلل ، فلم يكن فيه ما يخالف الأصل - من تقديم ، أو تأخير ، أو إضمار ، أو غير ذلك - إلا وقد قامت عليه قرينة ظاهرة - لفظية ، أو معنوية - كما سيأتي تفصيل ذلك كله ، وأمثلته اللائقة به . والثاني : ما يرجع إلى المعنى ، وهو أن لا يكون انتقال الذهن من المعنى الأول إلى المعنى الثاني - الذي هو لازمه والمراد به - ظاهرا ، كقول العباس بن الأحنف : سأطلب بعد الدّار عنكم لتقربوا * وتسكب عيناي الدّموع لتجمدا " 2 " كنى بسكب الدّموع عما يوجبه الفراق من الحزن ، وأصاب لأن من شأن البكاء أن يكون كناية عنه ، كقولهم : أبكاني ، وأضحكني ، أي أساءني وسرّني ، كما قال الحماسيّ [ حطان بن المعلّى ] : أبكاني الدّهر ويا ربّما * أضحكني الدّهر بما يرضي " 3 " ثم طرد ذلك في نقيضه ، فأراد أن يكني عما يوجبه دوام التلاقي من السرور

--> ( 1 ) البيت من الطويل ، وهو للفرزدق في لسان العرب ( ملك ) ، ومعاهد التنصيص ، وليس في ديوانه ، وبلا نسبة في الخصائص 1 / 146 ، 329 ، 2 / 393 . ( 2 ) البيت من الطويل ، وهو في ديوان العباس بن الأحنف ص 106 ، وشرح عقود الجمان 1 / 15 ، ودلائل الإعجاز ص 268 ، والإشارات والتنبيهات ص 12 ، وبلا نسبة في التلخيص للقزويني ص 8 . ( 3 ) البيت من السريع ، وهو لحطان بن المعلى في شرح ديوان الحماسة للتبريزي 1 / 152 ، ودلائل الإعجاز 269 ، وشرح عقود الجمان 1 / 15 .