الشيخ أحمد الحملاوي

15

شذا العرف في فن الصرف

( 3 ) وقد كسب الشيخ معارفه العلمية في بيئتين : الأولى الأزهر ، درس فيه علوم الدين : من تفسير ، وحديث ، وعقائد ، وفقه ، على مذهب الشافعيّ ، الذي خالط حبّه قلبه ، وتمكّن من نفسه ، ودرس العلوم اللسانية : من نحو ، وصرف ، وعروض ، وبلاغة ، ووضع . . . الخ ، على شيوخ عصره ، وأحرز من كل ذلك قسطا موفورا ، دلّ عليه تمكنه منها في كتبه ودروسه ، وإحرازه درجة العالمية ، بعد تركه خدمة الحكومة . والبيئة الثانية : دار العلوم ، التي أنشأها عليّ مبارك باشا وزير المعارف المصرية ، لتخريج معلمين ، يحسنون تعليم اللغة العربية والدين ، لتلاميذ المدارس الابتدائية والثانوية . وكان طلابها حينئذ ينتخبون بامتحان مسابقة من صفوة الطلاب الأزهريين ، الذين أنهوا دراساتهم أو كادوا ينتهون منها ، وكانوا يدرسون فيها العلوم الدينية والعربية لزيادة التمكن ، إلى جانب العلوم التي لم تكن في الأزهر : من بيداجوجيا ، وأدب ، ولغة ، وكتابة ، وخطابة ، ورياضيات ، وطبيعيات ، وتاريخ ، وجغرافيا ، وخط ، ورسم . . . الخ . وكانت عناية المدرسين بها تجمع بين المحاضرة والتطبيق العمليّ . وكان بين أساتذتها نخبة من علماء الأزهر ، أمثال الشيخ حسين المرصفيّ ، والشيخ حسن الطويل ، والشيخ محمد عبده ، والشيخ سليمان العبد ، وأضرابهم من الفحول . وكان الجمع في دار العلوم بين العلوم الإسلامية والعربية القديمة ، وبين العلوم المدرسية الحديثة - كما كانوا يسمونها - ، ثم بين المنهجين النظريّ والتطبيقيّ ، خليقا أن يطبع خريجي دار العلوم وقتئذ بطابع وسط بين القديم المتمثل في الدراسات الأزهرية ، والحديث المتمثل فيما يدرس بالمدارس المصرية الحديثة ، والجامعات الأوروبية . وقد جنت مدارس وزارة المعارف ثمرات هذه المدرسة القديمة الحديثة ، التي وصلت ماضي الأمة العربية بحاضرها ، فكانت من العوامل في النهضة الأدبية والعلمية ، التي ظهرت بواكيرها في وادي النيل منذ بدء القرن التاسع عشر . لذلك أقبل كثير من أذكياء الطلاب الأزهريين على دار العلوم ، ينهلون من ثقافتها المختلطة . وكان المؤلف من الرّعيل الأول الذي استبق إليها ، فنهل وعلّ من معارفها وآدابها . ونال إجازة التدريس منها سنة 1888 م ، كما أشرنا إليه في صدر هذه الكلمة .