الشيخ أحمد الحملاوي

16

شذا العرف في فن الصرف

كان الشيخ - رحمه اللّه - ضليعا في علوم العربية : نحوها ، وصرفها ، ولغتها ، وعروضها ، وبلاغتها ، وأدبها ، وكان يروي من ذلك كله ويحفظ الشيء الكثير ، مع حسن اعتناء بفهم ما يحفظ ، وجودة نقد لما يروي ، وبراعة استخراج للعبرة والفائدة . وكان النحو والصرف واللغة والشعر الميدان المحبّب إليه ، يجول فيها فيمتع ، ويتتبع أقوال الأوائل والأواخر ، فلا يكتفي ولا يشبع . ويظهر لي أنه كان معجبا بابن هشام الأنصاريّ من النحاة المصريين ( 708 - 761 ه ) وبما جمع شرحه لألفيّة ابن مالك الموسوم « بأوضح المسالك ، إلى ألفية ابن مالك » ، من مادة غزيرة . فحفظ مسائله ، وجعله أساس دراساته النحوية والصرفية ، وتحقيقاته اللغوية ، التي كان ينثرها بين يدي تلاميذه في دروسه ومحاضراته . ومنه التقط أغلى درره التي ألف منها كتابه هذا : « شذا العرف في فن الصرف » ، مع ما أضاف إليها من شذرات أخرى ، من مفصّل الزمخشريّ ، ومن شافية ابن الحاجب ، وشرحها لرضيّ الدين الأستراباذيّ ، وغيره من محققي الأعاجم المتأخرين ، الذين عنوا بالدراسات الصرفية ، وأشبعوها تأليفا وتوضيحا وتصنيفا . وقد أسبغ الشيخ على هذه المادة التي أحسن اختيارها من كتب العلماء ، كثيرا من ذوقه وخبرته بأساليب التعليم والتصنيف ، فتصرّف فيها توضيحا وتهذيبا ، وتنسيقا وتبويبا ، حتى جاء هذا الكتاب محكم الطريقة ، واضح الأسلوب ، جامعا للعناصر الضرورية التي لا بد منها لدارسي اللغة وفنونها ، ممثلا ما وصلت إليه الثقافة اللغوية في مدارس البصرة والكوفة وبغداد والفسطاط والأندلس ، ثم ما انتهت إليه أخيرا على يد ابن مالك وأبي حيّان وتلاميذهما من رجال المدرسة النّحوية الأخيرة ، التي لا تزال آثارها قوية باقية . وإجمال القول ، إن كتاب « شذا العرف » من أنفع الكتب لطلاب الدراسات الصرفية في المدارس والمعاهد وبعض الكليات . وهذه الطبعة الحادية عشرة من طبعاته ، دليل على استمرار النفع به ، وعلى قيمة ما أودع من مادة صحيحة مهذّبة ، ملائمة لعقول الطلاب . ( 4 ) وكان من سعادة الجدّ ، واكتمال الحظّ ، أنني سمعت من أستاذنا الحملاويّ ، جمهور مادة هذا الكتاب ، وكنت أنا وزملائي إذا عرضنا ما يذاكرنا به الشيخ من مسائل التصريف والنحو ، على شذا العرف ، وعلى أوضح المسالك ، لم نجد بينهما وبين عبارته فرقا ، إلا ما يكون بين الحسناء وخيالها في المرآة ، فكنا نعجب من قوّة حفظه ، وامتزاج مادة الدرس بعقله ونفسه امتزاجا قويا .