الشيخ أحمد الحملاوي

14

شذا العرف في فن الصرف

بمعارفه المتفنّنة الواسعة ، ويتعهدهم بالتربية الإسلامية والقومية القوية ، ويزوّدهم بنصائحه وتجاربه الكثيرة ؛ إلى أن علت سنه ، فآثر الراحة ، وترك العمل سنة 1928 م . ثم أدركته الوفاة في ( 22 من شهر ربيع الأول سنة 1351 ه - 26 من يوليه سنة 1932 م ) . ( 2 ) وأحسب أن هذا الإطار التاريخيّ العام لحياة أستاذنا الكبير ، لا يحوي بداخله الصورة التي تمثّل شخصيته العلمية والخلقية ، وان كان هو النّمط الذي جرى عليه المترجمون للعلماء من أصحاب المعاجم وكتب الطبقات ؛ ولذلك أعود إلى ذكرياتي الخاصة ، فأستوحيها بعض ما ارتسم في نفسي من آثاره الباقية ، التي لم تخلق جدّتها على طول السنين ، ومرّ الأعوام ، والتي يشاركني في الإحساس بها أولئك الذين ألموا بمعرفة هذا الحبر الجليل ، من تلاميذه وعارفي فضله . امتاز أستاذنا العلّامة بخلال كثيرة ، تعاونت كلّها على التأثير الشديد فيمن أخذوا عنه العلم ، وفيمن خالطوه وعاشروه ، من الأساتذة والعلماء ، فجعلت تلاميذه يعجبون به ، ويحرصون على الأخذ عنه ، والتعلق بأسبابه وآدابه ، وجعلته بين العلماء والأدباء ورجال القضاء والمحاماة ، موضع الثقة وحسن التقدير ، ومفزع الرأي والمشورة ، ومحل السرّ والنّجوى . أوتي الشيخ بسطة في الجسم ، ووجاهة ووسامة في الهيئة والوجه ، مع حسن ذوق واعتناء بالزيّ ، فكانت رؤيته تملأ العين جلالة ، والنفس مهابة ، ومنح قوّة في الصوت واللسان ، فكان حسن الإعراب والبيان ، يحرص على العربية دائما ، لا يشوب كلامه شائبة من عامية أو لكنة ، أو عيّ أو حصر ، وإنما ينساب حديثه في النفس انسياب النهر المتدفق في رزانة ووقار ، وكان حسن العرض للكلام ، جيّد الإنشاد للشعر ، لا يملّ حديثه وإن طال ، ولا يسأم إنشاده وإن بلغت قصائده المئين من الأبيات في بعض الأحيان . وكانت فصاحة الشيخ ، ونصاعة بيانه ، وجودة إلقائه ، وحسن أدائه ، وتمام شرحه للفكرة تعرض له ، يجعلها نقشا ثابتا في نفوس سامعيه ، فلا يحتاج الطالب إلى استذكار أو معاودة درس ، وحسبه أن يتخيّل الشيخ وهو يلقي بيانه ، فتمرّ عليه صور الكلام التي تجدد الموضوع ، وتحييه في ذاكرته ، وتغنيه عن معاودة درسه ، أو معاناة حفظه . ولهذه المزية البارعة في بيان الشيخ وتجويد إلقائه ، أثمر تعليمه ثمرا طيبا في نفوس من أخذوا عنه ، فحصّلوا في الزمن اليسير ، ما يحتاج أمثالهم في تحصيله إلى طوال السنين .