شوقي ضيف

368

المدارس النحوية

المدرسة البصرية النابهين ، وكان يكثر من التعليلات والأقيسة ونثر الآراء ، كما كان ينكر بعض القراءات الشاذة مثل أستاذه المازني والفرّاء الكوفي من قبله . وربما كان أهم تلاميذه الزجاج وابن السراج ، ولهما في المسائل النحوية خواطر ومقترحات كثيرة ، وتلاهما السيرافى شارح كتاب سيبويه ، وهو فيه يتسع في التعليلات والتأويلات والتخريجات ، ويعدّ خاتمة نحاة البصرة المهمين . والقسم الثاني من الكتاب خاص بمدرسة الكوفة ، وقد بدأت البحث فيها بالحديث عن نشأة النحو الكوفي وطوابعه ، ونقضت ما يقال من أن نشاط الدراسات النحوية في الكوفة بدأ مبكرا عند الرّواسى وأن معاذا الهرّاء الكوفي معاصره وضع علم الصرف ، إذ لا شك في أن القول بذلك إنما هو ضرب من الوهم والبعد في الخيال ، والصحيح أن هذا النشاط إنما بدأ بدأ حقيقيّا مع الكسائي وتلميذه الفرّاء . فهما اللذان رسما حدود النحو الكوفي وفصوله ووضعا أسسه وأصوله ، بحيث أصبح للكوفة مدرسة نحوية تستقل بطوابع خاصة من حيث الاتساع في الرواية والقياس ومن حيث وضع مصطلحات جديدة وما يجرى معها من عوامل ومعمولات . وبتوضيح هذه الطوابع المستقلة نقضت ما زعمه قايل من أنه لم تكن للكوفة مدرسة نحوية خاصة ، كما نقضت ما توهمه بعض المعاصرين من بغدادية الفراء لما في ذلك من مخالفة لطبائع الأشياء ، إذ لم تكن المدرسة البغدادية قد نشأت حتى عصره ، وأيضا فإنه هو الذي أعطى النحو الكوفي صيغته النهائية ، ولولاه ما استقام هذا النحو ولا وضع منهاجه ولا صحّحت حدوده ولا فصّلت مصطلحاته . وقد ثبّت الكسائي أستاذه الأسس الأولى للمدرسة ، وكان يكثر من الخلاف على سيبويه والخليل فاسحا في قواعده للغات الشاذة ولغات البدو من أهل الحاضرة كما فسح لبعض القراءات الشاذة ، وكان أحيانا يتجاوز السماع محتكما إلى حسه اللغوي . ودائما نجده يلتمس مخالفة المدرسة البصرية في التوجيهات الإعرابية . وكان ينهج نهجه تلاميذه وخاصة هشاما الضرير ، وألمعيّهم الفراء ، وهو - كما أسلفنا آنفا - الذي رسّخ أصول النحو الكوفي وفروعه وصاغ مصطلحاته ورفعها علما منصوبا ، مع ما نثره من الخواطر التي لا تكاد تحصى في تفسير بعض الأدوات وفي العوامل والمعمولات ، وهو لا يبارى في تحليله لآى الذكر الحكيم وتوجيهاته لما يجرى فيها