شوقي ضيف
369
المدارس النحوية
من إعراب . ومع أنه كان يتسع - على هدى أستاذه - في بسط ظلال السماع والقياس على الصيغ والعبارات نجده يتوقف أحيانا وخاصة إزاء بعض القراءات الشاذة ، بل إنه ليصوغ توقفه أحيانا في صورة إنكار عنيف ، وهو بذلك يعد الملهم الحقيقي للبصريين الذين جاءوا من بعده وحملوا على بعض القراءات من مثل المازني والمبرد ، وهي حملات لم يكن يراد بها - كما ظن بعض المعاصرين - الطعن على قرّاء الذكر الحكيم ، إنما كان يراد بها التثبت الدقيق إزاء ما رسم في المصاحف . وأهم خالفى الفراء في إمامة المدرسة الكوفية ثعلب ، وهو يعدّ شارحا لآراء إمامي المدرسة : الفراء والكسائي أكثر منه مستنبطا للآراء النحوية الجديدة . ومن أنبه تلاميذه أبو بكر بن الأنباري ، وكان حاذقا فطنا فدعم النحو الكوفي بكثير من العلل القويمة السديدة . وظل هذا النحو حيّا وظل علمه خفاقا حتى العصور المتأخرة ، على نحو ما يلقانا في القرن الثامن الهجري عند ابن آجروم الصنهاجى المغربي . وأما القسم الثالث فيتناول ثلاث مدارس ، أولها المدرسة البغدادية ، وقد لاحظت أنه تداولها جيلان : أول ، ثم ثان ، أما الجليل الأول فغلبت عليه النزعة الكوفية على نحو ما نجد عند ابن كيسان ، وإلى هذا الجليل يرجع الفضل في دعم المدرسة الكوفية بالبراهين والأدلة والتعليلات البينة ، مما ينقض زعم فايل من أن الاحتجاجات التي ساقها صاحب الإنصاف للكوفيين من عمل بصريين متأخرين ، وهي من عمل البغداديين الأولين الذين نبهوا في النحو الكوفي ، وصنّفوا فيه محتالين له بالحجج والعلل ، ثم درسوا النحو البصري ، ومزجوا بين النحوين . وأما الجيل الثاني فكانت تغلب عليه النزعة البصرية على نحو ما يلقانا عند الزجاجي وأبى على الفارسي وابن جنى ، ويكثر الأخيران من الحديث عن البصريين باسم « أصحابنا » مما جعل بعض المعاصرين أو قل كثرتهم يظنون أنهما بصريان حقّا ، وهما بغداديان أصيلان ، إذ كانا يمزجان - مثل الزجاجي وابن كيسان وأضرابهما - بين آراء المدرسة البصرية وآراء المدرسة الكوفية ، نافذين مع ذلك إلى آراء جديدة كثيرة . وقد أوضحت هذه الأصول التي اعتنقها البغداديون عند ابن كيسان والزجاجي . وكان عقل أبى على الفارسي خصبا إلى أبعد حد ، وكأنه كان كنزا